لجزيرة صقلية الإيطاليَّة حكايات، ومن بينها حكاية عالِمٍ مُسلمٍ حمل شغفه بالجغرافيا، إلى بلاط ملك نورماني، وترك وصفًا لمدن الجزيرة ومعالمها. إنَّه الشَّريف الإدريسي، الذي عمل في صقلية في القرن الثاني عشر، وأعدَّ للملكِ روجر الثاني كتابَه «نزهة المُشتاق في اختراق الآفاق». وفي صفحات كتابهِ تتجاور حكايات المُدن والنَّاس مع وصف الأرض، ومياهها، وطرقها، وجبالها. ولهذه الجزيرة مكانٌ في ذكرياتِي، فقد زرتُ مدينة كاتانيا في بداية دراستِي الجامعيَّة، وقُمنا خلال تلك الرحلة بزيارة بركان إتنا في صقلية، وبركان فيزوف بالقرب من نابولي. واليوم، حين أقرأ وصف الإدريسي، أجدُ كاتانيا باسم «قطانيَّة»، فتلتقي ذكريات الزِّيارة بكلمات جغرافيٍّ وصف المكان قبل نحو تسعة قرون. لم يختصر الإدريسي صقلية في اسم أو مدينة. وصف موانئها وأسواقها ومياهها ومزارعها، وتتبَّع المسافات بين بلداتها، كأنَّه يصحب القارئ في رحلة حول الجزيرة، ثمَّ إلى داخلها. وخصَّ بلرم، المعروفة اليوم بباليرمو، بوصف عمرانها، وبساتينها، ومياهها الجارية. تظهر الجزيرة في كتابه مكانًا حيًّا، يعمل فيه النَّاسُ، ويتاجرُون ويزرعُون، وتصل إليه السفن من جهات متعدِّدة. لكنَّ قارئًا تشغله البراكين سيتوقَّف عند اسم يتكرَّر في هذا الوصف: «جبل النار». هكذا سمَّى الإدريسي الجبل الذي يُعرف اليوم ببركان إتنا. وكتب محدِّدًا مواضع بعض المدن: «ومدينة طبرمين، ولياج، وقطانية بسفح جبل النار المتقدِّم ذكره من النَّاحية الشرقيَّة منه». بهذه الكلمات يضع الإدريسي البركان في قلب حياة النَّاس، مَعْلمًا تُعرف به المُدن والطُّرق، وتحيط به المزارعُ والأسواقُ ومصادرُ المياه في الجزيرة. ووصف أيضًا «جزيرة البركان»، حيث تتَّقد النَّارُ، وتقذفُ حجارةً مُوقدةً، ويُسمَع دوِّيُّها من بعيد. ويشير موقعها قرب ليباري إلى فولكانو الحاليَّة، بينما ذكر سترومبولي بصورةٍ مستقلَّةٍ باسم «استرنجلو». لذلك لا يصحُّ نقل وصف إحدى الجزيرتَين إلى الأخرى، وإنْ جمعهما النشاطُ البركانيُّ، والانتماءُ إلى الجُزرِ الإيوليَّة الإيطاليَّة الواقعة شمال صقلية. أمَّا سترومبولي، فاشتهر منذ القِدَم بلقب «منارة البحر المتوسط»؛ لأنَّ وهج انفجاراته المتكرِّرة كان يُرَى من البحر، ويَهتدِي به الملَّاحُون. وكان الإدريسي يُسمِّي هذا البحر «البحر الشَّامي» (البحر المتوسط). وهكذا حمل البركان للبحَّارة معنى يتجاوز الخوف من نيرانه، صار علامة في الأفق، تدلُّهم على موقعهم في البحر، وترافق رحلاتهم بين الجُزر والسَّواحل، حين تغيب معالم اليابسة ليلًا. ولعلَّ هذه أجمل حكايات صقلية: مكان تبقى صورته في الذَّاكرة، ثمَّ تعيده القراءة بصورة أخرى. كاتانيا في ذكريات الدِّراسة، وقطانيَّة في كتاب الإدريسي، وإتنا حاضر بينهما باسم جبل النَّار، حيث تلتقي حكاية الأرض بحكاية الإنسان الذي يعيش حولها.