كتاب

ماذا لو كان أمامك سبعة أيام؟

فاطمة آل عمرو 30 سبتمبر 2026 23:44 3 دقائق قراءة
ماذا لو عرفتَ أنَّ أمامك سبعة أيَّام فقط؟ هل ستواصلُ حياتك بالطَّريقة نفسَها، أم ستُعيد النَّظر في كلِّ شيءٍ؟
هذا هو السُّؤال الذي تركه في داخلي فيلم Life or Something Like It، بطولة «أنجلينا جولي»، التي تؤدِّي دور «لاني كيريجان»، مذيعة تلفزيونيَّة ناجحة، تبدُو حياتها من الخارج مكتملةً. العمل والشَّهرة والطُّموح كلُّها حاضرة، لكنَّ حياتها تسيرُ بإيقاع سريع لا يمنحها فرصةً كافيةً للتوقُّف والتَّساؤل: هل هذه فعلًا الحياة التي تريدُهَا؟
تذهب «لاني» لإجراء مقابلةٍ مع رجلٍ يُدَعى «جاك»، يؤدِّي دوره «توني شلهوب»، وكان يُنظر إليه على أنَّه يمتلكُ قدراتٍ تنبؤيَّةً. وبينما تنتظرُ منه إجابةً عن نتيجة مباراة، يفاجئها بخبرٍ مختلفٍ تمامًا: «ستموتِينَ بعدَ سبعة أيَّامٍ».
في البداية، تستقبلُ «لاني» النبوءةَ بالخوف والإنكار، لكنَّ الأيام التالية تجعلها ترى حياتَها بطريقةٍ مختلفةٍ. عملهَا، علاقاتها، اختياراتهَا، وحتَّى التَّفاصيل الصَّغيرة التي كانت تمرُّ أمامها من دون اهتمام، كلها تصبحُ أكثرَ وضوحًا. وما كان يبدُو مهمًّا بالأمس، قد لا يبقى كذلك، عندما يصبحُ الوقتُ محدودًا.
وهنا تكمنُ الفكرة التي أحببتُها في الفيلم: هو لا يتحدَّث عن الموتِ، بقدر ما يتحدَّث عن قيمة الحياة. فنحنُ نؤجِّل كثيرًا؛ لأنَّنا نتصرَّف وكأنَّ الغدَ مضمونٌ، نؤجِّل لقاءً، حلمًا، اعتذارًا، أو حتى خطوة نعرفُ أنَّنا نريدُ القيام بها.
ومن هذه الفكرة أتذكَّر «جوني ديب»، الذي أحبُّ تمثيلَهُ، أنا أُتابعُ أعمالَهُ منذُ أنْ كانَ عمري خمسةَ عشرَ عامًا. مَا يعجبُنِي فيه اليوم، لا يقتصرُ على السِّينما؛ فقد امتدَّ اهتمامُه إلى الكتابةِ، والموسيقى، والفنِّ التشكيليِّ، والإخراجِ. وهذا التنوُّع يذكِّرُنِي بأنَّ الإنسانَ ليس مُضطرًا لأنْ يبقى في المساحةِ نفسهَا طوال حياتِهِ، وأنَّ اكتشاف الذَّات يمكنُ أنْ يستمرَّ مهما تقدَّم بنا العمرُ.
ولعلَّ ما يجعلُني أتوقَّف عندَ تجربة «جوني ديب» أكثر هو أنَّه -بالنسبة لي- لمْ يكنْ يومًا مجرَّد وجهٍ على الشَّاشة، وأنا أتابعُ حضورَهُ وأدوارَهُ المختلفة، وكل مرحلةٍ كانت تكشفُ جانبًا آخر من فنَّانٍ لا يحبُّ أنْ يكرِّرَ نفسه. أحبُّ فيه أنَّ الفنَّ بالنسبةِ إليه يبدُو مساحةً مفتوحةً للتجربةِ؛ مرَّة من خلال شخصيَّة يؤدِّيها، وثانيةً عبرَ الموسيقى، وأُخْرَى من خلال الرَّسم، أو الإخراج. وربَّما لهذا أشعرُ أنَّ رحلته الفنيَّة تلتقي، بطريقةٍ ما، مع رسالة الفيلم: لا تجعلْ ما وصلتَ إليه يحدِّد ما يمكنُكَ أنْ تكونَهُ لاحقًا. فالحياةُ تظلُّ قادرةً على منحِنا بدايةً جديدةً، ما دُمنا نملكُ الرَّغبة في أنْ نكتشفَ شيئًا آخرَ في أنفسنا.
لذلك يسعدُنِي أنْ أراهُ يواصل حضورَهُ الفنيَّ من خلال أعمالٍ جديدةٍ، وأهنِّئه على فيلميه المقبلَينِ، متمنِّيةً له مزيدًا من التَّجارب التي تمنحهُ فرصةً للعودة والاكتشاف.
نحتاجُ في السِّينما السعوديَّة إلى مزيدٍ من الأفلام التي تحملُ رسائلَ إنسانيَّةً عميقةً، وتمنحُ المُشَاهدَ مساحةً للتَّفكير في حياتِهِ واختياراتِهِ، وما يريدُه فعلًا. فالسِّينما لا تقتصرُ على التَّرفيه؛ يمكنُها أيضًا أنْ تطرحَ الأسئلةَ التي نحتاجُ أحيانًا إلى التوقُّف أمامَها.
* من النافذة:
الحياةُ ليستْ بعددِ الأيَّامِ التِي نملكُهَا، بلْ بمَا نفعلُهُ بالأيَّامِ التِي مُنحَتْ لَنَا.

أخبار ذات صلة