في الإعلام، لا تكفي كاميرا تعرفُ كيف تلتقطُ الصُّورة، إذا لم يكنْ خلفها عقلٌ يعرفُ ماذا يبحث عنه؟ تابعتُ خلال كأس الخليج في جدَّة جانبًا من تغطية قناة الكأس، ولم يكن أكثر ما استوقفنِي جودة البثِّ، أو الاستوديوهات، أو التقنيات المستخدمة، هذه أدوات مهمَّة، والإعلام اليوم قطع فيها مسافاتٍ كبيرةً، وصارت التقنية جزءًا أساسًا من صناعة المشهد. اللافت هنا «المحتوى»، تعاملت قناةُ الكأس مع البطولة باعتبارها مساحةً أكبر من مباراة، ونتيجة، وتصريح، خرجت الكاميرا من حدود الملعب، وذهبت إلى «الجمهور»، المدينة، الضيف، والتفاصيل الاجتماعيَّة والإنسانيَّة المحيطة بالحدث، أشياء نراها كل يوم، لكنَّ الفارق أنَّ هناك مَن قرر التوقُّف عندها، وتحويلها إلى قصَّة إبداعيَّة، وتجربة التأمُّل من زاويتها المهنيَّة. خلال الفترات الماضية أخذتنا «التَّقنية» إلى جودة الصُّورة، وهذا أمرٌ طبيعيٌّ ومطلوبٌ، الشاشات أكثر جمالًا، «الجرافيك»، الاستوديوهات أكثرُ قدرةً على الإبهار، والكاميرات تمنح المشاهد تفاصيلَ لم تكن متاحةً قبل سنوات، غير أنَّ كل هذا يُعيدنا إلى سؤالٍ قديمٍ في مهنة الإعلام: ماذا سنضعُ داخل هذه الصُّورة؟ (ركضنَا طويلًا خلفَ تجميل الصُّورة، وتركنَا محتواها ينتظر). كأس الخليج في جدَّة قدَّم نموذجًا واضحًا لذلك الحدث الرياضيِّ، لم يكن 90 دقيقةً داخل المستطيل الأخضر، كانت هناك جدَّة، وجمهورٌ جاء من دول الخليج، وأُسرٌ، وأطفالٌ، ومتطوِّعُون، وشوارعُ، ومقاهٍ ولهجاتٌ، وذكرياتٌ، ومواقفُ صغيرةٌ، عشراتُ القصص تتحرَّك حول الملعب، وبعضُها قد يبقَى في ذاكرة المُشاهد أكثر من نتيجةِ المباراة نفسها. «قناة الكأس» لم تخترع تلكَ القصص، كانت موجودةً أمام الجميع، ما فعلتهُ أنَّها بحثت عنها، وهذه المسألة تحديدًا تستحقُّ أنْ نتوقَّف عندها، الصحفيُّ لا يحتاجُ دائمًا إلى حدثٍ استثنائيٍّ؛ كَي يصنع مادةً استثنائيَّةً، يحتاجُ أحيانًا إلى عينٍ مختلفةٍ، وسؤالٍ مختلفٍ، وفضولٍ مهنيٍّ لا يكتفي بما يصلُ إليه جاهزًا. لدينا اليوم، أدواتٌ مذهلةٌ لصناعة المحتوى، و»الذكاء الاصطناعي» يضيفُ كلَّ يوم إمكاناتٍ جديدةً، وقد نصلُ قريبًا إلى صورةٍ يصعب تمييزها عن الواقع، لكن قيمة الإعلام لنْ تتحدد بمدى جمال الصورة وحدها؛ لأنَّ التقنية متاحة للجميع تقريبًا، الفارق سيبقى في الفكرة. * نقطة تحت السطر: قد تمنحُكَ التقنيةُ أجملَ صورةٍ.. لكنَّهَا لنْ تخبرَكَ أينَ توجدُ الحكايةُ.