كتاب

بين الضغط والتفاوض

د. خالد محمد باطرفي 03 أكتوبر 2026 11:46 4 دقائق قراءة
في المواجهة بين واشنطن وطهران، لا تبدُو المشكلة في غياب الرسائل، بل في غياب القرار، الذي يحوِّلها إلى تفاهمٍ قابلٍ للتَّنفيذ. فالوسطاء ينقلُون المقترحات، والطَّرفان يعلنان استعدادهما للتَّفاوض، لكن المسافة تبقى واسعة بين قبول الحوار، وقبول الثَّمن السياسي للتَّسوية. وبينهما تعيش المنطقة على وقع سؤال مقلق: هل يفتح الانتظارُ بابَ الاتِّفاق، أم يمنح التَّصعيد وقتًا إضافيًّا؟
ينتظر الوسطاءُ موقفًا واضحًا يحدِّد ما يقبله كل طرف، وما يقدِّمه في المقابل، وكيف يبدأ التَّنفيذ. أمَّا تبادل الاتِّهامات بتأخير الرَّد، فلا يكفي لتحديد المسؤول عن التَّعطيل؛ فقد تتعدَّد المسودات، وتتغيَّر الشروط، ويتحدَّث كلُّ طرف عن مرحلة مختلفة من المفاوضات. ومن دون الاطِّلاع على مضمون المقترحات، وتسلسل تبادلها، يصبح الجزمُ بمن يعطِّل الاتِّفاق أقرب إلى تبنِّي رواية سياسيَّة منه إلى التَّحليل.
في تقديري، تراهن واشنطن على أنَّ استمرار الضَّغط سيجعل طهران أكثر استعدادًا للتَّنازل، بينما قد تراهنُ طهران على أنَّ كلفة المواجهة، واضطراب المصالح الاقتصاديَّة، ستدفع واشنطن إلى تعديل مطالبها. والخطر أنْ يبالغ الطَّرفان في تقدير قدرتهما على التحمُّل، وأنْ يقرأ كلٌّ منهما رغبة الآخر في التَّفاوض باعتبارها علامة ضعف، فيرفع سقف مطالبه بدل الاقتراب من التَّسوية.
الانتظارُ قد يكون أداة تفاوض، لكنَّه يحتاج إلى هدف وحدود زمنيَّة. فإذا أنتج تقاربًا في المواقف، وخطواتٍ لخفض التَّصعيد، أمكن فهم جدواه. أمَّا إذا ظل مصحوبًا بعمليَّات عسكريَّة وتهديدات متبادلة، فإنَّه يتحوَّل إلى استنزاف مفتوح، قد تقطعه ضربة غير محسوبة، أو قراءة خاطئة لنوايا الخصم. وليست الحرب الأوسع حتميَّة، لكن منعها يحتاج إلى عمل يتجاوز الرَّغبة المُعلنة في تجنبها.
وتبدو معادلة «لا تفاوضَ تحت الضَّغط»، في مواجهة «الضَّغط هو الذي يتيحُ التَّفاوض»، عصيَّةً على الحلِّ ما دام كلُّ طرف يطلب من الآخر التَّراجع أوَّلًا. ويمكن تجاوزها بخطواتٍ متبادلةٍ ومتزامنةٍ، يحصل فيها الطَّرفان على مقابلٍ ملموسٍ، ويستطيع كلُّ منهما الدفاع عن اختياره أمام جمهوره ومؤسَّساته.
البداية الممكنة -في رأيي- تفاهم محدود لخفض العمليَّات، وحماية الملاحة والمنشآت المدنيَّة، تقابله إجراءات اقتصاديَّة محدَّدة، ثمَّ الانتقال إلى الملفَّات الأكثر تعقيدًا. فمحاولة حسم جميع الخلافات دفعةً واحدةً قد تجعل الاتفاق الشَّامل ذريعة لتعطيل التهدئة العاجلة. وفي المقابل، ينبغي ألَّا تتحوَّل التهدئة إلى فرصة لإعادة الاستعداد للمواجهة؛ ولذلك تحتاج منذ بدايتها إلى رقابةٍ والتزاماتٍ واضحةٍ.
ولا يشترط نجاح الاتِّفاق، عودة الثِّقة قبل توقيعه. فالاتِّفاقات بين الخصوم تُبنَى على مصالح يمكن قياسها، والتزامات يمكن التحقُّق منها. المطلوب تحديد ما ينفِّذه كلُّ طرف، وتوقيت التَّنفيذ، والجهة التي تتحقَّق منه، وكيفيَّة معالجة الخروقات. أمَّا الوعود العامَّة، فتترك لكلِّ طرف مساحة لتفسيرها بما يناسبه، ثمَّ اتِّهام الآخر بنقضها.
وينطبق ذلك على الضَّغط الاقتصاديِّ أيضًا. فقد يسرِّع قرار التَّفاوض إذا اقترن بمخرج موثوقٍ، لكنَّه قد يدفع إلى التشدُّد إذا اعتقد الطَّرف المستهدَف أنَّ العقوبات ستستمرُّ مهما قدَّم. كما أنَّ الخسائر الاقتصاديَّة لا تتحوَّل تلقائيًّا إلى تنازلاتٍ سياسيَّة؛ فقد ترى القيادة أنَّ كلفة التراجع على أمنها أو شرعيتها أكبر من كلفة الاستمرار. ولهذا تستطيع الضغوط خلق الحاجة إلى الاتِّفاق، بينما تتولَّى الدبلوماسيَّة تحويل هذه الحاجة إلى تسويةٍ قابلةٍ للحياة.
في هذا المشهد، تملك السعوديَّة مصلحةً مباشرةً في منع اتِّساع الصراع، ولديها قنوات اتِّصال مع واشنطن وطهران يمكن توظيفها لدعم التَّهدئة. والاتِّصالات السعوديَّة الإيرانيَّة المباشرة المُعلنة تؤكِّد أنَّ التواصل لا يمرُّ كلُّه عبر طرف ثالث، وإنْ كانت تفاصيل المباحثات، وأثرها الفعلي لا تتاح دائمًا للرأي العام.
ومع ذلك، فدعم الوساطة لا ينتقص من حقِّ السعوديَّة في حماية أراضيها ومواطنيها ومنشآتها. الدبلوماسيَّة والقدرة الدفاعيَّة تتكاملان عندما تخدمَان هدفًا واضحًا: منع الاعتداء، واحتواء التَّصعيد، وصون الاستقرار. كما ينبغي أنْ تكون دول الخليج شريكةً في أيِّ ترتيبات تمس أمنها، فهي الأقدر على تحديد مصالحها، والأكثر تعرضًا لتداعيات تجاهلها.
إنَّ أمن دول المجلس كلٌّ لا يتجزَّأ، وحماية الملاحة والمنشآت المدنية مصلحة إقليميَّة ودوليَّة. وأي تفاهم أمريكي إيراني سيظلُّ ناقصًا إذا ترك جبهات المنطقة مفتوحةً، أو منح القوى المسلَّحة خارج الدَّولة قدرة على تعطيله. فالاختبارُ الحقيقيُّ للوساطة هو تراجع الهجمات، وانتظام الملاحة، وتنفيذ الالتزامات؛ عندها فقط يصبحُ التفاوضُ طريقًا إلى الاستقرار، وتخرج المنطقة من انتظار الرُّدود إلى رُؤية النتائج.
@kbatarfi

أخبار ذات صلة