كتاب

زحام الرياض.. والحلول (3)

صالح عبدالله المسلّم 03 أكتوبر 2026 23:07 دقيقتان قراءة
في مقاليَنا السابقَين تحدَّثنا عن المرور والحوادث، والتقاطعات والحلول، وأوضحنا أنَّ المشكلة لا تكون دائمًا في الحادث نفسه، وإنَّما في الوقت الذي تستغرقه عمليَّة التعامل معه، وإعادة الطريق إلى طاقته الطبيعيَّة.
وهنا يمكن تطوير مفهوم «الاستجابة المروريَّة السريعة»، فرق متخصِّصة، رصد آلي، إجراءات واضحة لإخلاء المسارات، وتنسيق فوري بين الجهات ذات العلاقة.
كل دقيقة إضافيَّة يبقى فيها مسار رئيس مغلق؛ قد تتحوَّل إلى عشرات أو مئات الدقائق من التأخير، موزَّعة على آلاف السائقين.
ماذا لو تعاملنا مع الزحام كمسألة اقتصاديَّة؟.. فهذه زاوية تستحق الاهتمام.. الزحام ليس وقتًا ضائعًا فقط.. إنَّه وقود مستهلك، وتأخُّر موظَّفين، وتراجع إنتاجيَّة، وتأخُّر شحنات، وزيادة في تكاليف التَّشغيل، وضغط على الخدمات، واستهلاك أكبر للمركبات.
ولهذا، فإنَّ الاستثمار في تقليل الزحام ليس «مشروعًا مروريًّا» فحسب؛ بل هو استثمارٌ اقتصاديٌّ في كفاءة المدينة.
كل دقيقة يتم توفيرها في رحلة يوميَّة متكرِّرة، تعني أثرًا يتضاعف عندما نحسبه على آلاف الرِّحلات، ومئات الأيام.
نحن لا نحتاج إلى «مشروع واحد» للقضاء على الزحام.. وأكبر خطأ يمكن أنْ نقع فيه؛ هو البحث عن حلٍّ سحريٍّ.
لا المترو وحده سيحلُّ المشكلة.. ولا الطرق وحدها.. ولا الحافلات.. ولا الذكاء الاصطناعي.. ولا تغيير أوقات الدَّوام.
الحلُّ الحقيقيُّ سيكون في حزمة متكاملة تعمل في الاتجاه نفسه، نقل عام فعَّال، ومواقف انتقاليَّة مناسبة، وإدارة ذكيَّة للتقاطعات، واستجابة أسرع للحوادث، ومرونة في أوقات العمل، وتخطيط عمراني يقلل الحاجة إلى الرحلات الطَّويلة، وتشجيع أنماط العمل المرن، حيثما يكون ذلك ممكنًا، وتحسين توزيع الخدمات من قِبَل الجهات المختصَّة داخل المدينة.
والأهم من ذلك كله، أنْ نمتلك مؤشرًا واضحًا نقيس به النجاح.. فالرياض لا تحتاج فقط إلى طرق أكثر.. بل إلى أنْ تكون مدينة أذكى.
الرياض أمام فرصة استثنائيَّة.. فالمدينة التي تشهد هذا الحجم من التحوُّل؛ تستطيع أنْ تنتقل من نموذج إدارة الزحام، إلى نموذج إدارة الحركة، والفرق بين الاثنين كبير.
إدارة الزحام تعني أنْ نصلح الاختناق عندما يحدث.
وفي النهاية، ربَّما لا يكون الهدف الواقعيُّ هو أنْ تختفي السيَّارات من شوارع الرِّياض، فهذا غير منطقيٍّ في مدينة بهذا الحجم.
الهدف الأكثر واقعيَّة، هو أنْ تصبح السيَّارة خيارًا من عدَّة خيارات، لا الخيار الوحيد.. فالرياض لا تعاني من نقص في الشوارع، وإنَّما تواجه تحديًا في كيفية إدارة ملايين الرحلات التي تتحرك داخلها كل يوم.

أخبار ذات صلة