منتدى

البيانات الصحية.. ثروة المستقبل

د. هتان منصور بدر* 04 أكتوبر 2026 11:21 4 دقائق قراءة
لم تعد البيانات الصحية مجرد معلومات تُحفظ في السجلات الطبية لتوثيق رحلة المريض، بل أصبحت اليوم أحد الأصول الاستراتيجية في القطاع الصحي، وموردًا معرفيًا يمكن أن يسهم في تطوير الأدوية والتقنيات الطبية والذكاء الاصطناعي، ويفتح آفاقًا جديدة للبحث والاستثمار.
فالمستشفيات تنتج يوميًا كميات هائلة من البيانات؛ من التشخيصات ونتائج المختبرات والأشعة، إلى الأدوية والتدخلات العلاجية والمضاعفات والنتائج الصحية. ومع تراكم هذه البيانات لسنوات، تتشكل ثروة معرفية قادرة على تقديم صورة حقيقية عن الأمراض وانتشارها، وأنماط علاجها، ومدى الاستجابة للأدوية، والنتائج التي تتحقق في الممارسة الطبية الفعلية.
وتزداد أهمية هذه البيانات بالنسبة لشركات الأدوية. فتطوير علاج جديد لا يبدأ من المختبر فقط، بل يحتاج إلى فهم المرض والفئات المستهدفة وأنماط العلاج الحالية ونتائجها، كما أن التخطيط للتجارب السريرية يحتاج إلى معرفة مدى توافر المرضى المؤهلين للدراسات وإمكانية تنفيذها. وبعد وصول العلاج إلى الممارسة الطبية، تصبح البيانات الصحية وسيلة مهمة لدراسة نتائجه وفاعليته وسلامته في الواقع.
ولهذا برز مفهوم «بيانات العالم الحقيقي» Real-World Data، وأصبح جزءًا متناميًا من منظومة تطوير وتقييم الأدوية. وفي المملكة، أصدرت الهيئة العامة للغذاء والدواء إطارًا تنظيميًا لاستخدام البيانات والأدلة الواقعية لدعم الفاعلية والسلامة بغرض تسجيل الأدوية، وهو ما يعكس القيمة المتنامية للبيانات الصحية في صناعة الدواء واتخاذ القرارات التنظيمية.
ولا يقتصر الاهتمام بهذه البيانات على شركات الأدوية، بل يمتد إلى شركات الأجهزة الطبية والتقنيات الحيوية والذكاء الاصطناعي، التي تحتاج إلى بيانات عالية الجودة لتطوير الحلول واختبارها والتحقق من أدائها. لكن الحديث عن اقتصاد البيانات الصحية لا يعني بيع بيانات المرضى.
فالبيانات الصحية من أكثر البيانات حساسية، وخصوصية المريض وحقوقه يجب أن تبقى أساس أي نموذج للاستفادة منها. وقد وضع نظام حماية البيانات الشخصية في المملكة ضوابط واضحة لمعالجة البيانات، تشمل تحديد الغرض، والاقتصار على الحد الأدنى اللازم من البيانات، واتخاذ الإجراءات التنظيمية والتقنية لحمايتها. كما تشير الأدلة الصادرة عن الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي إلى إمكانية إخفاء هوية المرضى عند معالجة بياناتهم للأغراض البحثية بما يحافظ على سريتها.
ومن هنا، فإن القيمة الاقتصادية الحقيقية ليست في بيع الملف الطبي أو البيانات الخام، وإنما في القدرة على تحويل البيانات، ضمن بيئة آمنة ومحكومة، إلى معرفة ودراسات وخدمات تحليلية ومنتجات وشراكات بحثية.
فيمكن للمؤسسات الصحية، على سبيل المثال، الدخول في شراكات لإجراء دراسات تعتمد على البيانات الواقعية، وإنشاء السجلات المرضية، وتنفيذ دراسات الجدوى للتجارب السريرية، ودراسة نتائج العلاجات، والمشاركة في تطوير واختبار حلول الذكاء الاصطناعي والتقنيات الطبية.
وهنا تتجاوز القيمة الاقتصادية للبيانات مجرد تحقيق عائد مالي مباشر.
فوجود بيانات صحية عالية الجودة قد يساهم في استقطاب تجربة سريرية إلى المملكة، أو تطوير تقنية طبية، أو بناء خوارزمية للذكاء الاصطناعي، أو إنتاج ملكية فكرية، أو تأسيس شركة ناشئة، أو جذب استثمارات جديدة في الصناعات الدوائية والتقنية الحيوية. كما يمكن أن تساعد البيانات نفسها في تحسين كفاءة الإنفاق الصحي من خلال قياس نتائج العلاجات، وفهم الاحتياجات الصحية، ودعم اتخاذ القرار.
وفي المملكة، تبدو الفرصة أكبر مع التحول الرقمي المتسارع للقطاع الصحي والتوجه نحو اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار. ومن اللافت أن وزارة الصحة تضع ضمن أهداف البيانات المفتوحة دعم الابتكار والتقنية والبحث العلمي، وكذلك تعزيز النمو الاقتصادي والاجتماعي من خلال إعادة استخدام البيانات.
وهذا يقودنا إلى سؤال مهم: هل حان الوقت للانتقال من «إدارة البيانات الصحية» إلى «اقتصاد البيانات الصحية»؟
قد تبدأ الإجابة بتطوير نموذج وطني للاستثمار المسؤول في البيانات الصحية، يحدد آليات الحوكمة والوصول والاستخدام، وينظم الشراكات بين المؤسسات الصحية والجامعات وشركات الأدوية والتقنية، ويطور نماذج للاستفادة الاقتصادية من الدراسات والتحليلات والخدمات البحثية الناتجة عن هذه البيانات، مع إعادة استثمار جزء من العوائد في تطوير البحث والابتكار داخل المؤسسات الصحية.
والفكرة هنا ليست أن تخرج البيانات من المستشفى إلى الشركات، بل أن تأتي الأسئلة البحثية والاستثمارية إلى بيئة البيانات الآمنة، ويتم تحليلها وفق الضوابط النظامية، لتخرج منها المعرفة والنتائج دون المساس بخصوصية المرضى.
فالمستشفى الذي يمتلك بيانات عالية الجودة، وبنية رقمية متقدمة، وحوكمة واضحة، وقدرات بحثية وتحليلية، لن يكون مقدمًا للخدمة الصحية فقط، بل يمكن أن يصبح شريكًا في تطوير الدواء والتقنية والابتكار.
وهكذا تتشكل دورة اقتصادية جديدة؛ تبدأ ببيانات تنتجها المستشفيات يوميًا، وتتحول إلى معرفة، ثم إلى بحث وابتكار، ومنها إلى شراكات واستثمارات ومنتجات ووظائف نوعية وقيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
لقد استثمرنا طويلًا في بناء المستشفيات وشراء الأجهزة وتطوير الأنظمة الإلكترونية، وربما حان الوقت لأن ننظر إلى ما تنتجه هذه المنظومة يوميًا من بيانات باعتباره أحد أصولها الاستراتيجية.
فالقيمة في المستقبل لن تكون في كمية البيانات التي نمتلكها، بل في قدرتنا على حمايتها وحوكمتها وتحويلها إلى معرفة واستثمار وأثر. فالبيانات التي تسهم في علاج مريض اليوم، قد تسهم في صناعة دواء أو ابتكار أو اقتصاد الغد.
* استشاري جراحة المسالك البولية وأمراض الذكورة والعقم بمدينة الملك عبدالله الطبية

أخبار ذات صلة