كتاب

أموال الصناديق في الخارج.. الوطن أولى بها

د. عبدالله صادق دحلان 04 أكتوبر 2026 22:21 4 دقائق قراءة
تسعى المملكة، بقيادة سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله-، إلى أنْ تكون واحدةً من أهم الوجهات الاستثماريَّة في العالم، وتعمل أجهزة الدَّولة على جذب رؤوس الأموال الأجنبيَّة، وتطوير البيئة الاستثماريَّة، وتقديم الممكِّنات للمستثمر العالميِّ للمشاركة في الفرص التي تتيحها رُؤية المملكة 2030.
وفي الوقت الذي ندعو فيه المستثمر الأجنبي للاستثمار في السعودية، حيث لديه الفرص الجاذبة، والنموِّ المتطوِّر، والمستقبل الواعد، أجد أنَّه من الضروريِّ أنْ نطرح سؤالًا آخرَ: أين تستثمر صناديقنا السعوديَّة أموالها؟ وكم من أموال المستثمرين في هذه الصناديق يذهب لتنمية مشروعات في الخارج؟.
وقبل أنْ أجيب، أؤكّد أنَّني لستُ ضد استثمار الصناديق السعوديَّة في الأسواق العالميَّة، فالتنويع الجغرافيُّ للأصول من المبادئ المهنيَّة في إدارة الاستثمار، ويساعد على توزيع المخاطر، والاستفادة من فرص النموِّ في الاقتصادات والأسواق المختلفة، ولكنْ لكلِّ مرحلة اقتصاديَّة أولويَّاتها.
والمملكةُ اليوم، تمرُّ بمرحلة استثنائيَّة من تاريخها الاقتصاديِّ، تتولَّد فيها فرص استثماريَّة كبيرة في الصِّناعة والتَّعدين والسِّياحة والتَّقنية والذَّكاء الاصطناعيِّ، والخدمات اللوجستيَّة، والطاقة المتجدِّدة، والصحَّة، والتَّعليم، والإسكان، وغيرها من القطاعات، لذلك توقَّفتُ أمام أرقام الصناديق الاستثماريَّة السعوديَّة في المملكة.
فبنهاية الرُّبع الأوَّل من عام 2026، بلغت أصول هذه الصناديق نحو 231.7 مليار ريال، منها نحو 192.1 مليار ريال استثمارات محليَّة، مقابل نحو قرابة 40 مليار ريال استثمارات أجنبيَّة.
وأكثر ما يلفت انتباهي، أنَّ قيمة الأصول الأجنبيَّة كانت استثمارات الصناديق السعوديَّة في الخارج نحو 29.35 مليار ريال، في الرُّبع الأوَّل من عام 2025، ما يعني أنَّها ارتفعت خلال عام واحد بنحو 34.9%، مقابل نموِّ الاستثمارات المحليَّة بنحو 17.4%.
إنَّ هذه الأرقام لا تعني وجود مشكلةٍ في حدِّ ذاتها، ولا تشمل جميع الأموال، أو الصناديق الاستثماريَّة في المملكة، لكنَّها تفتح بابًا للنقاش: هل تحصل الفرصة الاستثماريَّة داخل الوطن على الأولويَّة الكافية عند اتِّخاذ القرار الاستثماريِّ من مديري الصناديق الاستثماريَّة؟.
فالإستراتيجيَّة الوطنيَّة للاستثمار وضعت أهدافًا طموحةً بحلول عام 2030، من بينها الوصول بإجماليِّ تكوين رأس المال الثابت إلى نحو تريليوني ريال سنويًّا، وبمكوِّن محليِّ يصلُ إلى نحو 1.7 تريليون ريال، وهنا تبدو أمامي مفارقة اقتصاديَّة تستحق التأمُّل.
فنحن نعملُ بكل قوَّة؛ لجذب رؤوس الأموال من مختلف دول العالم للاستثمار في المملكة، من خلال مؤتمرات استثماريَّة متخصِّصة وعامَّة، وفي الوقت نفسه يذهب جزءٌ من أموال صناديقنا السعوديَّة الاستثماريَّة إلى الأسواق الخارجيَّة.
فإذا كانت المملكة فرصة استثماريَّة كُبرى نعرضها على العالم، أفلا يستحق المستثمر السعودي، وصناديقه أنْ يكونوا في مقدِّمة المشاركين في هذه الفرصة؟.
مرَّة أُخْرى، لا أدعُو إلى منع الاستثمار في الخارج، ولا إلى تحديد نسبة جامدة تُلزم الصناديق بالاستثمار داخل المملكة؛ فمدير الصندوق مؤتمنٌ على أموال المستثمرِين، وعليه البحث عن العائد المناسب ضمن مستوى المخاطر والإستراتيجيَّة المُعلنة للصندوق، ولكنَّني أدعُو إلى تبنِّي مفهومٍ أراهُ مهمًّا في هذه المرحلة، وهو الأولويَّة الاستثماريَّة الوطنيَّة إذا تساوت العوائد.
ومعناه أنْ تحصل الفرصة الاستثماريَّة السعوديَّة على حقِّها الكامل في الدراسة والمقارنة، قبل توجيه الأموال إلى الخارج، فإذا كانت الفرصة الأجنبيَّة أفضل من حيث العائد والمخاطر والسيولة، فليذهب إليها الصندوق، أمَّا إذا كانت لدينا فرصة محليَّة منافسة، فمن المنطقيِّ اقتصاديًّا أنْ تحظى بالأولويَّة في القرار الاستثماريِّ.
فالريال المستثمر في شركة، أو مصنع، أو مشروع سعوديٍّ لا يحقق عائدًا لصاحب المال فقط، بل قد يخلق وظيفةً لمواطن، ويُموِّل منشأةً صغيرةً، ويُوطِِّن تقنيةً، ويرفع المحتوى المحليَّ، ويزيد الطلب على الخدمات، ثمَّ يُعاد تدوير جزءٍ من هذا الإنفاق داخل الاقتصاد الوطنيِّ، بما يُعزِّز الأثر الاقتصاديَّ للاستثمار.
ومن هنا أقترحُ دراسة إنشاء مؤشِّرٍ سنويٍّ لمساهمة صناديق الاستثمار في تمويل الاقتصاد الوطنيِّ، ليس بقصد التدخُّل في قراراتها المهنيَّة، وإنَّما لقياس مقدار مساهمتها في تمويل الشركات والمشروعات والقطاعات السعوديَّة الواعدة، ومتابعة تطور هذه المساهمة عامًا بعد عام.
ومن المهم كذلك ألَّا نخلط بين الصناديق الاستثماريَّة العامَّة التي تدير أموال المستثمرين، وبين الصناديق الخاصَّة، أو الصناديق السياديَّة، والجهات الحكوميَّة؛ فلكلٍّ منها أهداف والتزامات وإستراتيجيَّات مختلفة.
رسالتي إذن ليست: أوقفوا الاستثمار في الخارج، بل أقول: استثمروا في العالم، ونوِّعوا المخاطر، وابحثُوا عن الفرص والعوائد المناسبة، ولكن لا تجعلُوا الفرصة البعيدة تحجب عنكم فرصة منافسة تنمو أمام أعينكم داخل الوطن.
لقد نجحت المملكة في أنْ تجعل المستثمر العالميَّ ينظر إليها باعتبارها أرضًا للفرص، والإستراتيجيَّة الوطنيَّة للاستثمار نفسها تستهدف زيادة الاستثمار المحليِّ بالتوازي مع جذب الاستثمار الأجنبيِّ.
ولذلك يبقى سؤالي: إذا كنا ندعُو أموال العالم للاستثمار في مستقبل المملكة، أفلا تكون أموالُنا السعوديَّة في مقدِّمة المشاركين في صناعة هذا المستقبل؟.
فالاستثمار في الوطن ليس عاطفةً فقط، عندما تكون الفرصة مجديةً ومنافسةً، فهو استثمار في العائد، وفي الاقتصاد، وفي الوظيفة، وفي التقنية، وفي مستقبل الأجيال القادمة.

أخبار ذات صلة