حين تتعرض المدن السعودية والمنشآت المدنية للتهديد، وتتحول الممرات البحرية إلى أدوات ابتزاز، تصبح حماية الوطن مسؤولية لا تحتمل التردد. ومن هذا المنطلق تُفهم عمليات التحالف الداعم للشرعية اليمنية، في إطار واجب السعودية في الدفاع عن أمنها وسيادتها، ومسؤوليتها الدينية والوطنية في حماية الحرمين الشريفين وقاصديهما. فأمن المواطن والمقيم والزائر أمانة، وحماية المقدسات التزام لا يخضع لمساومات الجماعات المسلحة. وقد أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، بدء عمليات عسكرية لاستعادة المناطق الخاضعة للحوثيين، بدعم سعودي. ويأتي ذلك وسط تصعيد يهدد الداخل اليمني وأمن السعودية والملاحة البحرية معًا. وهذا الترابط يفسر لماذا تجاوزت الأزمة حدود النزاع الداخلي، وأصبحت اختبارًا لقدرة الدولة اليمنية وشركائها على منع فرض واقع جديد بقوة السلاح. وتكتسب هذه العمليات زخمًا مع التقدم الميداني الأخير لقوات الشرعية، والمكاسب التي تحققها ألوية العمالقة وقوات درع الوطن، وفي مقدمتها استعادة السيطرة على مديرية ذُباب ومواقع استراتيجية في محيط باب المندب، وفق ما أعلنه الجيش اليمني. وتتجاوز أهمية هذه المكاسب حدود المساحة المستعادة؛ فهي تعزز فرص استعادة زمام المبادرة، وتضغط على مواقع الميليشيا القريبة من الممر الملاحي، وتؤكد أن التنسيق بين القوات اليمنية، مسنودًا بدعم التحالف، قادر على تغيير المعادلة على الأرض. وفي تقديري، فإن الدرس الأهم من هذه الاختراقات هو أن توحيد الجهود والقرار العسكري يفتح الطريق أمام تحويل القدرات المتفرقة إلى قوة مؤثرة. غير أن تثبيت الانتصارات يقتضي تأمين المناطق المستعادة، وحماية سكانها، وإعادة الخدمات ومؤسسات الدولة إليها؛ فالتقدم العسكري يكتسب قيمته المستدامة حين يشعر اليمني بأن التحرير أعاد إليه الأمن والكرامة. كما أن تأمين باب المندب يتطلب مواصلة تقليص قدرات استهداف السفن، حتى تتحول المكاسب البرية إلى حماية فعلية للملاحة. إن استهداف المدن السعودية بالصواريخ والمسيّرات يعرّض السكان والأحياء السكنية والخدمات الأساسية للخطر، حتى عندما تنجح الدفاعات في اعتراض الهجمات. وقد شهد التصعيد الأخير إطلاق صاروخ باتجاه الرياض وتهديدات لمدن أخرى. ولا يصح أن يصبح نجاح الدفاع الجوي سببًا للتقليل من خطورة الاعتداء؛ فغياب الخسائر في هجوم معين لا يمحو مسؤولية من أطلقه، ولا يمنحه حق تكراره. وتزداد خطورة المشهد حين تقترن هذه الهجمات بمحاولات التحكم في جنوب البحر الأحمر وباب المندب. فهذه الممرات تربط اقتصادات وقارات، وتعتمد عليها سلاسل الإمداد وحركة الطاقة والتجارة. وكل اضطراب فيها يحمّل المنتج والمستهلك أعباء إضافية، ويضغط على الدول المستوردة للغذاء والوقود. ولذلك فإن تأمينها مسؤولية دولية مشتركة، ومن غير المقبول أن ينتفع العالم بحرية الملاحة ثم يترك عبء حمايتها على دول المنطقة وحدها. المشكلة الدولية ليست غياب الإدانة تمامًا؛ فقد طالب مجلس الأمن، في القرار 2722، الحوثيين بوقف هجماتهم على السفن التجارية فورًا. المشكلة هي الفجوة بين القرارات والقدرة على إنفاذها، وبين الاعتراف بالخطر وتحمل كلفة مواجهته. وحين تستمر الاعتداءات رغم المطالبات الدولية، فإن الجماعة المسلحة قد تقرأ التردد باعتباره فرصة لتوسيع مكاسبها ورفع سقف شروطها. كما أن مصداقية الموقف الدولي تقتضي النظر إلى معاناة اليمنيين بالجدية نفسها التي ينظر بها إلى سلامة السفن. فقد وثقت تقارير أممية انتهاكات حوثية شملت تجنيد الأطفال وانتهاكات بحق النساء، ضمن سجل أوسع من الانتهاكات ارتكبتها أطراف النزاع. وهذه الوقائع تستدعي المساءلة، وبعضها قد يرقى إلى جرائم حرب متى استوفى أركانها القانونية. فلا يجوز اختزال مأساة اليمن في أسعار الشحن والتأمين، وإغفال الإنسان الذي يدفع ثمنها كل يوم. إن ترويع النساء، وإخضاع الشيوخ وأبناء القبائل بالإكراه، وانتزاع الأطفال من التعليم إلى القتال، ممارسات تهدم المجتمع وتعتدي على كرامته وقيمه. والحصار الذي يحرم المدنيين من ضروريات الحياة، والتهجير القسري، واستخدام التجويع وسيلة للحرب، تستوجب جميعها التحقيق والمحاسبة. ومن هنا فإن الدفاع عن اليمن يبدأ بحماية اليمنيين من تحويل حياتهم وأرزاقهم وأبنائهم إلى أدوات لاستدامة سلطة السلاح. ولذلك فإن دعم القوات المسلحة اليمنية ينبغي أن يكون التزامًا واضحًا ومستدامًا، يربط الدعم العملياتي بهدف سياسي محدد: استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء فرض السلطة بالقوة. ويتطلب تحقيق هذا الهدف ترسيخ وحدة الصف اليمني، وتجاوز التنافس بين التشكيلات والمكونات، ووضع قدراتها في خدمة مشروع وطني جامع. فنجاح المعركة يتوقف، إلى جانب الكفاءة العسكرية، على وضوح البديل الذي يقدمه مشروع الدولة للمواطنين. والردع الفاعل يُقاس بقدرته على تقليص الاعتداءات وحماية الناس والممرات الحيوية، مع الالتزام بالتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، وتأمين وصول الإغاثة. هذه الضوابط تعزز شرعية العمليات، وتمنع الميليشيا من استثمار معاناة المدنيين في التعبئة وإطالة الحرب. كما ينبغي أن يصاحب العمل العسكري ضغط دولي على مصادر التسليح والتمويل، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. تبقى الغاية سلامًا يصمد، ودولة يمنية تستعيد قرارها وتحتكر السلاح وتحمي حدودها وسواحلها. وحين تُربط القوة بهذه الغاية، تصبح أداة لحماية التسوية من الابتزاز. وللسعودية حق الدفاع عن أرضها ومقدساتها وسكانها، ولليمنيين حق استعادة دولتهم وبناء مستقبلهم، وعلى المجتمع الدولي أن يترجم اعترافه بهذه الحقوق إلى مسؤولية عملية؛ فأمن البحر الأحمر يبدأ من أمن ضفتيه، واستقراره الدائم يمر عبر يمن مستقر. @kbatarfi