منتدى

في الإعلام الجميع يحب الظهور.. لكن القليل يتحمّل المسؤولية

أحمد عبدالرحمن 06 أكتوبر 2026 10:59 3 دقائق قراءة
في الإعلام، هناك مفارقة تستحق التأمل، الجميع تقريبًا يحب أن يظهر في وسائل الإعلام، ويحب أن يرى اسمه أو مؤسسته أو إنجازه حاضرًا في الأخبار والمنصات، لكن قلة فقط تدرك حقيقة العمل خلف هذا الظهور، وحجم المسؤولية التي يتحملها العاملون في هذا المجال.
وبحكم تجربتي في الصحافة الورقية والإلكترونية، ثم في الاتصال المؤسسي والعمل الإعلامي، ومن واقع الممارسة اليومية للمهنة، أصبحت أكثر اقتناعًا بأن الإعلام ليس مجرد مساحة للظهور، ولا مجرد أداة لنشر الأخبار، بل هو أحد أكثر ميادين العمل المؤسسي حساسية وضغطًا.
فالمسؤول الإعلامي يعمل في نقطة التقاء عدة أطراف في الوقت نفسه؛ جمهور ينتظر المعلومة ويتفاعل معها ويحاسب عليها، وقيادات تنتظر دقة الرسالة واتزانها وسرعة التعامل معها، وإدارات داخل المؤسسة تنتج المعلومات والقرارات والإنجازات، فيما تقع على الإعلام مسؤولية تحويل كل ذلك إلى محتوى واضح ودقيق وقابل للفهم والتداول. وهنا تبدأ الصعوبة الحقيقية.
فالخطأ في كثير من المجالات قد يبقى داخل حدود الإدارة التي وقع فيها، أما الخطأ الإعلامي فيخرج فورًا إلى العلن. وقد ينتشر في دقائق، وتتناقله المنصات، ويعاد تفسيره، وربما يتحول من خطأ محدود إلى أزمة تمس صورة المؤسسة بأكملها.
ولهذا فإن العمل الإعلامي لا يحتاج فقط إلى شخص يجيد الكتابة أو التصوير أو إدارة المنصات، وإنما يحتاج إلى شخص يمتلك القدرة على اتخاذ القرار، وسرعة البديهة، والهدوء تحت الضغط، والأهم من ذلك كله: الإحساس بالمسؤولية.
وأحيانًا تكون أصعب لحظة في العمل الإعلامي هي تلك التي يتعين فيها على المسؤول أن يقول: أخطأنا.
فالقيادة الإعلامية ليست أن تكون حاضرًا عندما تكون الأخبار جيدة، وأن تختفي عندما تصبح الأسئلة صعبة. وليست في صناعة صورة مثالية للمؤسسة طوال الوقت، وإنما في القدرة على إدارة الحقيقة، وتقديمها بوضوح ومهنية، وحماية ثقة الجمهور دون التضحية بالمصداقية.
وفي عصر المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، أصبحت هذه المسؤولية أكبر.
المعلومة اليوم تنتقل في ثوانٍ، والصورة يمكن أن تصنع رواية كاملة، والمقطع القصير قد يحظى بانتشار يفوق ما تحققه حملة إعلامية كاملة. وفي المقابل، أصبح من السهل إنتاج المحتوى، لكن الأصعب هو التأكد من صحته، وسياقه، وتوقيته، وأثره.
لذلك فإن مستقبل الإعلام لن يكون لمن يستطيع إنتاج أكبر قدر من المحتوى، وإنما لمن يستطيع إنتاج المحتوى الأكثر موثوقية وتأثيرًا ومسؤولية.
الإعلام مهنة تبدو جذابة من الخارج، لكنها من الداخل مليئة بالقرارات والضغوط والتحديات. وكلما ارتفع مستوى المسؤولية، أصبح هامش الخطأ أصغر، وأصبح العاملون في الخطوط الأمامية أمام اختبار مستمر للمهارة والاتزان والشجاعة.
لهذا ربما تكون العبارة الأقرب إلى واقع المهنة: الجميع يحب الإعلام.. لكن القليل فقط يستطيع تحمّل العمل فيه.
فالنجاح في الإعلام لا يُقاس بعدد مرات الظهور، ولا بعدد المتابعين، ولا بحجم التفاعل وحده؛ بل بقدرتك على أن تكون مسؤولًا عندما تكون تحت الضوء، وأن تحافظ على مهنيتك عندما تصبح الضغوط أكبر من المعتاد. وهنا تحديدًا تبدأ القيادة الحقيقية في الإعلام.

أخبار ذات صلة