منتدى

حين لا يكون التوقف تأخرًا

أ.د. عصام إبراهيم أزهر 06 أكتوبر 2026 11:44 3 دقائق قراءة
نعيشُ في زمنٍ أقنعنا -بهدوءٍ شديدٍ- أنَّ الإنسان ينبغي أنْ يكون في حالةِ تطويرٍ مستمرٍّ.. أنْ ينجزَ أكثرَ، ويتعلَّمَ أكثرَ، ويقرأَ أكثرَ، ويعملَ أكثرَ، ويصبح كل يوم نسخةً «أفضل» من نفسه. حتى تحوَّلت الحياة عند بعضنا من رحلةٍ تُعاش، إلى مشروعٍ لا ينتهي إصلاحه.
نستيقظُ وفي أذهاننا قائمةٌ طويلةٌ: ماذا أنجزت؟ ماذا تعلَّمت؟ ماذا أضفت؟ كم خطوة تقدَّمت؟ وإذا مرَّ يوم لم نحقِّق فيه شيئًا يمكن قياسه، تسلَّل إلينا شعورٌ خفيٌّ بالذَّنب، وكأنَّ الهدوءَ تقصيرٌ، والراحةَ كسلٌ، والجلوس بلا هدفٍ واضحٍ هدرٌ للعمر. لكنْ.. مَن قال إنَّ كلَّ لحظة في الحياة يجبُ أنْ تكون منتجةً؟
الحياةُ ليست مصنعًا، والإنسانُ ليس آلةً تقَاس قيمتها بعدد ما تنتجه.. هناك أيَّام للعمل، نعم. وأيَّام للتعلُّم والنموِّ والمغامرةِ وصناعةِ الأحلام. لكنْ هناك أيضًا أيَّام لا تحتاجُ منك إلى إنجازٍ عظيمٍ.. أيام يكفيها أنْ تعود إلى بيتك سالمًا، وأنْ تجلس بجوار مَن تُحبُّ، وأنْ تحتسي قهوتَك ببطءٍ، وتستمع إلى حديثٍ عابرٍ، وتضحك من قلبِك، وتنظر من النافذة دون أنْ تفكِّر في المهمَّة التالية.
وقد تكون تلك اللَّحظات، التي لا يظهر فيها أيُّ «إنجازٍ»، من أثمن ما أنجزته في حياتك. فكوب القهوة مع أمِّك لا يُضاف إلى سيرتِك الذاتيَّة، لكنَّه يُضاف إلى قلبِك. والحديث الطَّويل مع أبيك لا يمنحك شهادةً، لكنَّه قد يصبح يومًا ذكرى تتمنَّى لو أنَّك تستطيعُ شراء دقيقةٍ أُخْرى منها بكل ما تملك. والجلوس مع زوجتك وأبنائك بلا هواتف ولا مواعيد لا يرفع مؤشرات الأداء، لكنَّه يبني شيئًا أعظم من المؤشِّرات: يبني حياةً تستحق أن تتذكر.
نحن نتقنُ تأجيل الحياة. نقول: سأرتاح عندما أنتهي. سأجلسُ مع من أحب عندما تخفُّ المسؤوليَّات. سأسافرُ عندما تسمحُ الظروف. سأستمتعُ عندما أصل إلى هدفِي. ثمَّ نصل إلى هدفٍ فيظهر آخر، وتنتهي مهمَّة فتبدأ أُخرى، ويمضي العُمر ونحن نستعد للحياة بدلًا من أنْ نعيشها.
والحقيقة البسيطة التي قد نتعلَّمُها متأخِّرين هي أنَّ الحياة لم تكن تنتظرنا في نهايةِ الطريق.. كانت تحدث طوال الطريق.
كانت في فنجان القهوة الذي شربناه على عجلٍ. وفي مكالمة اختصرنَاهَا؛ لأنَّنا «مشغولُون». وفي جلسةٍ عائليَّةٍ اعتذرنَا عنها بسبب العمل. وفي مساءٍ جميلٍ لم نرََ جمالَه؛ لأنَّ عقولنا كانت منشغلةً بالغد.
الطموح جميل، والعمل قيمة، والتطوير ضرورة، والسعي جزءٌ من كرامة الإنسان.. لكنَّ المشكلة تبدأ عندما نختصرُ قيمة وجودنا في مقدار ما ننجزه.
فالراحة ليست عدوًا للنجاح، والهدوء ليس فراغًا، والوقت الذي تقضيه مع من تحبُّ ليس وقتًا مسروقًا من مستقبلك.. إنَّه جزءٌ من المستقبل الذي تعمل من أجله أصلًا. لذلك، لا تجعل حياتك كلها مشروعًا يحتاج إلى تحسين. اترك فيها مساحاتٍ لا تحتاج إلى أهدافٍ، وأوقاتٍ لا تحتاج إلى جداولَ، ولحظاتٍ لا تحتاج إلى تصوير أو توثيق أو مشاركة. اسمح لنفسك أحيانًا أن تكون حاضرًا فقط.. بلا سباق، وبلا مقارنة، وبلا سؤال ثقيل يلاحقك: «وماذا أنجزت اليوم؟» فربما كان أعظم إنجاز في بعض الأيام أنَّك عشت يومك ولم تمر به مسرعًا.
وفي النهاية، حين ننظر إلى أعمارنا من مسافة بعيدةٍ، قد نكتشف أنَّ أجمل ما فيها لم يكن دائمًا تلك الأيام التي أنجزنا فيها الكثير، بل تلك اللَّحظات الصَّغيرة التي ظنَّنا أنَّها عادية: وجهٌ نحبُّه، وضحكةٌ صادقةٌ، وبيتٌ آمنٌ، وحديثٌ دافئٌ، وفنجانُ قهوةٍ لم نكن نستعجلُ نهايتَه.
ليس كلُّ وقتٍ غير منتج وقتًا ضائعًا.. فبعض الأوقات لا تنتج شيئًا يمكن قياسه.. لكنَّها تنتج إنسانًا أكثرَ هدوءًا، وقلبًا أكثرَ امتلاءً، وذاكرةً أكثرَ جَمَالًا. فلَا تنشغل ببناء حياتك إلى الحدِّ الذي تنسى معه أنْ تعيشها.
@EsamAzhar

أخبار ذات صلة