عندما بدأت الدبلوماسية العامة تفرض حضورها على المستوى الدولي بوصفها مفهومًا وممارسة، كان من السهل النظر إليها باعتبارها إضافة إلى الدبلوماسية التقليدية عبر أدوات موجهة للشعوب، مثل الإعلام، الثقافة، التبادل التعليمي، والرياضة. لكن السؤال الذي يستحق التأمل اليوم هو: هل قدمت الدبلوماسية العامة أدوات جديدة للعمل الدبلوماسي فحسب، أم أنها بدأت تغيير مفهوم «الدبلوماسي» نفسه؟. فالدبلوماسي الذي كان يعمل في عالم تتركز فيه علاقاته مع الحكومات والمسؤولين، أصبح يعمل في فضاء أكثر انفتاحًا وتعقيدًا.. فضاء أصبحت فيه المجتمعات والرأي العام والإعلام والمنصات الرقمية والجامعات، ومراكز الفكر والثقافة والعمل الإنساني وغيرها؛ جزءًا من البيئة التي تتحرك فيها السياسة الخارجية. وهذا التحول يفرض سؤالًا مهنيًا مفاده: من هو الدبلوماسي الذي نحتاج إليه اليوم؟. بدايةً، ليس المقصود هنا أن يتحول الدبلوماسي إلى خبير في كل شيء، ولا أن يكون متخصصًا في الرياضة أو الثقافة أو السياحة، أو التقنية أو الإعلام. لكنه قطعًا يحتاج إلى أن يكون لديه حد أدنى من الفهم والحس المهني بهذه المجالات، وأن يدرك متى وكيف يمكن توظيف أدوات الدبلوماسية العامة، والاستعانة بمتخصصيها وممارسيها لخدمة هدف دبلوماسي واضح. وهنا تكمن أهمية التمييز بين استخدام الأداة وفهم وظيفتها الدبلوماسية، فاستقطاب لاعب رياضي عالمي، أو إقامة معرض ثقافي، أو تنظيم فعالية سياحية، أو حملة إعلامية رقمية، قد يسهم في تعزيز صورة المملكة في الخارج، أو يكتفي بلفت الانتباه نحوها. لكن التوظيف الأمثل لهذه الأنشطة في الدبلوماسية العامة لا يتحقق بمجرد تنفيذها - أو الأمل بتحقيقها- أثر إيجابي، بل يتطلب إستراتيجية واضحة، وأهدافًا محددة، وفهمًا للجمهور المستهدف، وخططًا مدروسة للتنفيذ والتواصل والمتابعة، وتكاملًا مع أدوات أخرى، ثم تقييمًا وقياسًا موثوقًا للأثر. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة اليوم في المملكة، حيث أصبحت مفاهيم القوة الناعمة والدبلوماسية العامة تحظى باهتمام متزايد، بالتوازي مع توسُّع الحضور السعودي في الثقافة والرياضة، والسياحة والإعلام، والاقتصاد والفضاء الرقمي.. وهذا تطور مهم، لكنه يجعل الحاجة إلى الفهم الدقيق للمفاهيم أكثر إلحاحًا. فكلما اتسعت أدوات الدبلوماسية العامة، اتسعت أيضًا دائرة الجهات والأشخاص الذين يمكن أن يمارسوها ويساهموا فيها. وقد يعمل بعضهم خارج حدود السلك الدبلوماسي، فالممارسة هنا لا تعني أنهم أصبحوا بالضرورة دبلوماسيين. ما تعنيه هو أن الدبلوماسية العامة أصبحت جهدًا منظمًا تتقاطع فيه تخصصات ومؤسسات متعددة، مع بقاء الحاجة إلى وجود رؤية دبلوماسية محددة ومعروفة، تربط هذه الجهود بأهداف السياسة الخارجية. ومن هنا، ربما نحتاج أيضاً إلى التفكير في نموذج جديد لـ «الدبلوماسي»، ليس باعتباره شخصًا يعرف كل شيء، وإنما شخصًا متعدد الثقافات، يدرك حدود كل أداة ووظيفتها، ويستطيع أن يربط بينها ضمن رؤية واحدة، ويجيد العمل مع المتخصصين خارج مجاله. وهذا يضعنا أمام سؤال يتجاوز تطوير أدوات الدبلوماسية العامة؛ إلى إعداد الدبلوماسي نفسه. فإذا كانت الدبلوماسية العامة قد وسّعت دائرة العمل الدبلوماسي، وأدخلت إلى هذه الدائرة مجالات وجماهير ووسائل لم تكن في صلب الممارسة التقليدية للعمل الدبلوماسي، فمن الطبيعي أن يتغير معها ما يحتاجه الدبلوماسي من معرفة ومهارات، وقدرة على العمل مع تخصصات مختلفة.. فهل ما زلنا نُعِد الدبلوماسي للمهنة التي كانت، أم للمهنة التي أصبحت؟. لعل الأثر الأعمق للدبلوماسية العامة، هو أنها دفعت حدود الممارسة الدبلوماسية نفسها إلى مساحة أوسع وأكثر انفتاحًا. ولذلك فإن التحدي لم يعد فقط في أن نعلّم الدبلوماسي كيف يستخدم أدوات جديدة، وإنما في أن نعيد التفكير في نوعية الدبلوماسي الذي نحتاج إلى إعداده لواقع اليوم، ولمستقبل المهنة المتغير بسرعة كبيرة. فـ «الدبلوماسي الجديد» ليس من يعرف كل شيء، بل من يفهم طبيعة هذه المجالات المختلفة، ويدرك قيمتها وحدودها، ويعرف كيف يوظفها ويربط بينها ويقيس أثرها، لتحقيق هدف دبلوماسي محدد.