كتاب

ضوءُ القمر لا يملكه أحدٌ

حوارات الطريف

أ.د. مالك بن ربيع آل دحلان 06 أكتوبر 2026 23:54 3 دقائق قراءة
قبل ألف عام، كتب الشاعرُ الصينيُّ (سو شي)، إلى أخيه، يتمنَّى أنْ يدوم الأحبَّة ويتقاسمُوا، ولو تباعدت الدِّيار، قمرًا واحدًا. كان يكفي أنْ يقع عليهما الضوء نفسه.
تلك رُوح عيد منتصف الخريف. وفي ليلته هذا العام كنتُ مع أبويَّ عند بحيرة ألتأوسي في جبال الألب النمساويَّة، حيث يتقطَّر ملحُ الجبل على أغصان التنوب، حتى يصير الهواء مالحًا. جلسا يستنشقانه، وجلستُ أُصغِي إلى أنفاسِهمَا.
لا يسمعُ المرءُ أنفاسَ أبويَه عادةً. يسمعُها حين يكبرَان، فيدرك أنَّ الزَّمن صار مسموعًا.
أُمِّي تقرأُ وجهي قبل أنْ أتكلَّم، وأبي يسمعُ ما لا أقولُه.
والقمرُ بدرٌ فوقَ الماء، يقعُ على البحيرة، كما يقع على واشنطن، ونيويورك، وغزَّة، ولا يختار.
وفي واشنطن اختلف شي وترمب تحت سماءٍ واحدة، لكنَّهما أسَّسا لـ«استقرارٍ إستراتيجيٍّ»: تفاهمٌ لا اتِّفاق.
ذلك ضوء القمر في السياسة: لا يجعلُنا متَّفقِين، لكنَّه يسمح بأنْ نرى بعضنا بعضًا.
ونقيضه ليس الظَّلام، بل ضوء الغاز (Gaslighting)*: ألَّا يُطلب منك أنْ تقبل حُجَّةً، بل أنْ تشكّ فيما رأيت. أمَّا ضوءُ القمر فلا يملكُه أحدٌ.
وقبل ليلة القمر بيوم، وقفَ رئيسُ الوزراء الفارُّ من العدالة على منبر الدَّورة الحادية والثَّمانين للجمعيَّة العامَّة؛ ليقول إنَّ الإبادةَ «أكبرُ كذبةٍ في هذا القرن».
لم يكن السُّؤال: مََن يملكُ المنبرَ؟ بل: مََن يملكُ الواقعةَ؟
طائرةٌ إلى تل أبيب هوت بعد اعتداء في قمرتها، فهبطت سالمةً في المملكة. لم تسأل السَّماء عن وجهتها، كان الهواء مشتركًا.
لكنْ في موسمٍ انتخابيٍّ، سبقت الرِّوايةُ التَّحقيقَ: «تلقينٌ إسلاميٌّ متطرِّفٌ»، و«11 سبتمبر» أُخْرى، ونداءاتٌ في اليمين المتطرِّف بطرد المسلمِين.
وبعد ثلاثة أيام سمَّاها التَّحقيقُ الإماراتيُّ محاولة إرهابيَّة. لكنَّ التحقيقَ الذي يثبت الجريمة، لا يمنح أحدًا حقَّ امتلاكها قبله، ولا تسميتها «11 سبتمبر».
فـ«11 سبتمبر» سرديَّةٌ جبَّارةٌ لها تتمَّةٌ: حروبٌ، وغضبٌ، وريبةٌ طويلةٌ في دِينٍ وحضارةٍ.
والطَّائرة لم تصطدم ببرجٍ. هبطت في تبوك.
وللوقائع عادة سيِّئة مع السُّلطة: تعود.
في فيلم «نازا»، أي «الأضرار الجانبيَّة» بلغة الجيش الإسرائيليِّ، يروي أربعة وعشرُون من جنودهِ وضباطهِ كيف صار لكلِّ هدفٍ رقمٌ مسبق للمدنيِّين المتوقَّع قتلهم معه. وفي شهادةٍ: موافقةٌ على خمسمئة مدنيٍّ لرجلٍ واحدٍ.
سُجِّلت الشِّهاداتُ ليلًا على أسطح تل أبيب، كأنَّ الحقيقة حين ضاق بها النَّهارُ لم تجد إلَّا ضوء القمر. ثم هُدِّد مخرجاه بسحب جنسيتهما.
وحين يُعاقَب الشَّاهد، فاعلم أنَّ الشهادة أصابتْ.
ولهذا لا نزهدُ في لاهاي حين يخذلُها مَن بنوهَا. فالمحكمة تزن الأدلَّة لا التَّصفيق، وتحقِّق في أدلَّةٍ الإدانةِ والبراءةِ معًا: الواقعة قبل الرِّواية، وللجميع. وامتثالنا للقانون الدوليِّ وفاءٌ بالعهد تقتضيه السِّياسة الشرعيَّة، لا مجاملة.
كتبَ سيِّدُنا عمر بن الخطاب، إلى أبي موسى الأشعري -رَضِيَ اللهُ عنهُما-: «فإنَّ الحقَّ قديمٌ، ومراجعةَ الحقِّ خيرٌ مِن التَّمادِي فِي البَاطلِ».
فتحت المملكةُ مدرجَها للطَّائرة، قبل أنْ تعرفَ روايتها. أمَّا الضغط عليها، ومَن ورائها قلب الإسلام، فلن يبيِّض الرواية ولن يجعلها حقيقةً.
فالوقائعُ تتأخَّرُ، والحسابُ لا يسقطُ.
عدتُ إلى أبويَّ وقد ارتفع القمرُ، وما يزالَان يتنفَّسان ملح الجبل. مصباح الغاز يحتاج كلَّ ليلةٍ مَن يغذِّيه، أمَّا القمرُ فيعود دون أنْ يستأذن.
ومَن تربَّى على أنْ يصدِّق وجه أُمِّه، لا يُقنعه أحدٌ بأنَّ الضوءَ لم يكنْ.
﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾
الضبطُ يبدأ في الطريف... وفي العالم يُختبَر
* هامشٌ توضيحيٌّ: «ضوء الغاز» ترجمةٌ لمصطلح Gaslighting في علم النَّفس، المأخوذ من مسرحيَّة Gas Light للكاتب البريطانيِّ باتريك هاملتون (1938). وفيها يُخفت الزَّوج مصابيح الغاز في البيت، ثم ينكر أنَّها خفتت، حتَّى تشكَّ زوجتُه في إدراكها وذاكرتها. وصار المصطلحُ يدلُّ على التلاعب النفسيِّ المنهجيِّ بإدراك الآخرِ حتَّى يرتابَ فيما رآه وعرفه.

أخبار ذات صلة