كتاب

الطبيب بين الاستمرار والتقاعد

أ.د. صالح عبدالعزيز الكريّم 08 أكتوبر 2026 00:02 دقيقتان قراءة
مهنةُ الطِّب مهنةٌ إنسانيَّة، أعتقدُ أنَّ مَن يخلص من الأطباء في عمله بكلِّ دلالات الإخلاص، من حيث دقَّة التَّشخيص، وأمانة الأداء، وإنسانيَّة التَّعامل، بعيدًا عن الشَّرَه الماديِّ، ليس له جزاءٌ إلَّا الجنَّة؛ لأنَّه يؤدِّي عملًا إنسانيًّا راقيًا ومطلوبًا، وعمله أحسن «عمل صالح» يتقرَّب به إنسانٌ عند ربِّه، ولكن -للأسف- قليل ليسُوا كذلك، ليس لصعوبةِ الأمر والأداء، لكن لنسيانهم القَسَم الذي أدَّاه كلُّ واحد منهم بعد تخرُّجه، ولحالة عدم القناعة الماديَّة التي قد تسيطر على بعض النُّفوس، لذلك خسارة أنْ يكون هناك طبيبٌ متميِّزٌ بمعطياتِ الطبيبِ الذي يؤدِّي عمله كعملٍ صالحٍ أنْ يتقاعد لسببَين، السَّبب الأوَّل هو بلوغه القمَّة في تخصُّصه الذي كان حصيلة جهدٍ شخصيٍّ منه كبير، والسَّبب الثاني «نوعي»، وهو أنَّه إنسانٌ قبل أنْ يكون طبيبًا، فهو بهذا عملةٌ نادرةٌ، فتقاعدُه خسارةٌ أمَّا غيره فتقاعدُهم تنحصرُ خسارتهم بلوغهم القمَّة في التخصُّص فقط، وأصبحوا مشهورِين، أيًّا كان النَّوع الأوَّل أو الثَّاني، فإنَّ اللوائح والانظمة ستجبرهُم على أنْ يتقاعدُوا، ويتركُوا العمل لدى الجهة التي يعملُون بها، وهو طبيعيٌّ، لأنَّ التقاعدَ موسٌ على كلِّ الرؤوسِ، كما يقولُون، ولعلَّ في ذلك مصلحةً للمتقاعد إذا كان العملُ شاقًّا، مثل عمل الطبيب؛ لأنَّ الاستمرار بالعمل بالوقت الكامل من الثامنة صباحًا، إلى الخامسة في هذا السن (ستين فما فوق) فيه إرهاقٌ نفسيٌّ وجسديٌّ.
إنَّ ميزة مهنة الطب تعطي فرصة للطبيب في الاستمرار بالعمل في القطاع الخاص، وهذا هو السائد، ويحرص عليه معظم مَن أعرف من الأطباء، حيث لديهم رغبة في الاستمرار في عملهم، لكن بعضهم -أقصد المتقاعدين- يحرصُون أنْ يكون عملهم في القطاع الخاص -العيادات والعمليَّات- عملًا جزئيًّا؛ تمشيًا مع عمره.
التقاعدُ الكاملُ، والتخلِّي عن مهمَّة العمل تمامًا كطبيبٍ متخصِّصٍ ليس من صالح الطبيب، ولا المجتمع، ليس من صالح الطبيب؛ لأنَّ ذلك يجلبُ عليه الكثير من السلبيَّات، خاصَّة الفراغ الوقتي، الذي ينهشه من كلِّ جانبٍ، والشعور الداخلي بالتخلِّي عن عمل هامٍّ في حياته، يمكن أنْ ينقذ فيه أرواحًا من النَّاس. فالطبيبُ المتقاعدُ تقاعدًا كليًّا شأنه ليس شأن أيِّ متقاعدٍ آخرَ من عملٍ هندسيٍّ، أو تربويٍّ، أو علميٍّ، ومن هنا فإنَّ الطبيب المتقاعد الوحيد الذي يجب أنْ يحرص في حياته على الاستمرار في عمله بعد التقاعد، كعمل جزئيٍّ، وليس تقاعدًا كليًّا، او عملًا كاملًا، ففي الحالتين جوانب سلبيَّة عليه، وعدم مراعاة لنفسه وجسمه.

أخبار ذات صلة