متى يعرفُ الإنسانُ أنَّ عليه أنْ يتوقَّف؟ هل حين يشعرُ أنَّه لم يعد لديه شيءٌ يضيفه؟ أم حين تبقى لديه الأفكارُ، وتضعف قدرتُه على تنفيذها؟ أم أنَّ التوقُّف قد يكون استراحةً يحتاجها؛ ليصفو ذهنه، ويعود إلى ما يحب؟ سؤال يواجهنا في العمل والكتابة والمسؤوليَّات، وربما نزداد تفكيرًا فيه كلَّما امتدَّت بنا التجربةُ. ليس سهلًا أنْ نحكم على ما بقي لدينا من عطاء. فقد نكرِّر أنفسنا، ونحنُ نظنُّ أنَّنا نجدِّد، وقد نقلِّل من قيمة ما نعرفه؛ لأنَّنا ألفنَاهُ، بينما يجد فيه الآخرُون ما ينفعهم. لذلك يحتاجَ قرار التوقُّف إلى تأمُّل صادقٍ، وإلى رأيِ مَن نثقُّ بهم، ممَّن يعرفُون عملنا ويصارحُونَنا بشأنه. وأحيانًا نقول: لم يعد لديَّ ما أضيفه، ونحن في الحقيقة متعبُونَ. تزاحمت المهامُّ، وتكرَّرت المطالبُ، ولم نترك لأنفسنا وقتًا للقراءة، أو التفكير، أو حتى الهدوء. يصبح إنجاز ما كنَّا نحبُّه ثقيلًا، فنظنُّ أنَّ الرغبة انتهت. وربما لو ابتعدنا قليلًا، لاكتشفنا أنَّ ما احتجناه هو الرَّاحة. وهناك فرق بين غياب الفكرة، وضعف القدرة على حملها إلى نهايتها. قد يظلُّ الذهنُ حاضرًا، والخبرةُ غنيَّة، لكنَّ الجهد اليوميَّ يصبحُ أكبر ممَّا نحتمل. هنا يمكن أنْ نخفِّف حجم العمل، أو نستعين بغيرِنا، أو ننتقل إلى دور يناسب قدرتنا. فما نستطيع تقديمه قد يتغيَّر في صورتهِ، ويظلُّ نافعًا في أثره. وقد تأتي لحظة ندركُ فيها أنَّ دورًا معيَّنًا اكتمل. قدَّمنا فيه ما استطعنا، وأصبح استمرارنا يستهلكنا، أو يؤخِّر فرصةً يحتاجها غيرُنا. الاعتراف بذلك يحتاج إلى شجاعةٍ، خصوصًا حين يرتبط الدور بمكانتنا وذكرياتنا. ومع ذلك، فإنَّ إنهاء مسؤوليَّة لا ينهي قيمة الإنسان، ولا يمحُو ما بذله خلالها. أمَّا التوقُّف للرَّاحة، فيستحقُّ أنْ نمنحه حقَّه. أنْ نبتعد عن ضغط النتائج، ونستعيد نومَنَا وهدوءَنَا، ونقرأ دون تكليفٍ، ونتأمَّل دون استعجالٍ.ٍ وقد تعود الرَّغبة تدريجيًّا، فنبدأ بخطوةٍ صغيرةٍ. وقد نكتشف اهتمامًا آخر، أو نقرِّر أنْ نعود بإيقاع أهدأ، وبالتزامات أقل. ولعل ما يساعدنا هو أنْ نسأل: هل أريدُ التوقُّف عن هذا العمل، أم عن الطَّريقة التي أؤدِّيه بها؟ هل فقدتُ المعنى، أم أرهقني الحملُ؟ وهل قراري نابعٌ من تأمُّل، أم من يومٍ صعبٍ؟ هذه الأسئلة لا تمنحُ إجابةً فوريَّةً، لكنَّها تمنعنا من اتِّخاذ التَّعب حكمًا نهائيًّا على قدرتنا. متى نتوقف إذن؟ حين نفهمُ ما يحدث داخلنا، ونقدِّر ما نستطيع تقديمه، دون أنْ نظلم أنفسنا. فقد تكون الخطوة المناسبة إغلاق بابٍ اكتمل دوره، وقد تكون إراحة اليد قليلًا، قبل أنْ تعود إلى الكتابة.