ليس جديدًا أنْ يكون للمملكة خصومٌ، ولا أنْ تتعرَّض في أوقات الأزمات لحملاتٍ تستهدفُ مواقفها، ومصالحها، وأمنها الجديد هو حجم المساحة التي باتت تملكها «المعلومة الكاذبة»، والسرعة التي تستطيعُ بها رواية مجهولة أنْ تصل إلى ملايين النَّاس قبل أنْ تصل إليهم الحقيقة. وما يجري في اليمن اليوم، يعيد هذه المسألة إلى الواجهة بقوَّة، فهناك حرب تدورُ على الأرض مع «جماعة حوثيَّة»، دفعت اليمن خلال سنوات طويلة إلى واحدةٍ من أعقد أزماته، وهناك حربٌ أُخرى تتحرَّك فوق شاشات الهواتف، لا تطلق صاروخًا، ولا تحتاج إلى طائرةٍ مسيَّرةٍ، ويكفيها «خبر مجهول»، أو مقطع خارج سياقه، أو تفسير يكتبه شخصٌ لا يعرف من الأمر أكثر ممَّا يعرفه مَن يقرأ له.. سيناريوهات الحروب لا تبحثُ دائمًا عن إقناعك بروايتها.. فقد يكون نجاحهَا في أنْ تجعلك (قلقًا فقط) - (مرتبكًا)، أو غير قادر على معرفة ما الذي يحدثُ فعلًا؟ ومن هنا تبدأ عبثيَّة الأعداء. ولا أعتقدُ أنَّ من الإنصاف تحميل عامَّة النَّاس مسؤوليَّة التحقُّق من كلِّ خبرٍ يصل إليهم، فليس كلُّ إنسان صحفيًّا.. ولا كلُّ مَن يحمل هاتفًا يعرفُ مصادر الأخبار ومرجعيَّاتها.. ولا يفترض أصلًا أنْ يتحوَّل المجتمعُ كله إلى غرف تحقُّق ومراصد إعلاميَّة. لكن المسألة تختلفُ عندما نشارك في نقل ما لا نعرف مصدره، أو نمنح التأويل قيمة الخبر، أو نتعامل مع كل حساب يحمل اسمًا لافتًا باعتباره «غرفة عمليَّات» تعرف أسرار السياسة والحرب.. وهنا قد نجد أنفسنا -دون أنْ ندري- نكمل للخصم عملًا بدأه هو. «الحوثي» يعرف قيمة هذا النَّوع من الحروب، ومَن يقف خلفه يعرفها أيضًا؛ لأنَّ المعركة بالنسبة لهم ليست أرضًا وصاروخًا فقط، هناك (معنويَّات)، (ثقة)، وصورة دولة.. وشعور مجتمع بأمنه.. وكل خبر كاذب ينجحُ في العبث بواحدةٍ من هذه المساحات يمثِّل مكسبًا لمن أطلقه، حتى لو سقطت روايته بعد ساعة. لذلك فإنَّ معركة اليمن لا تخصُّ اليمنيِّين وحدهم في آثارها وتداعياتها.. ولا تتوقَّف عند حدود المواجهة العسكريَّة، وما يمس أمن المملكة يجعل للمجتمع دورًا في هذه المواجهة.. ليس دورًا عسكريًّا بالطَّبع، ولا بطولة مصطنعة على مواقع التواصل، وإنَّما إدراك أنَّ بعض ما يصل إلى هواتفنا قد يكون جزءًا من المعركة نفسها، وقد يكون طفل أكثر معرفة بالتقنية من والده، وقد يعرف شاب كيف يكتشف مقطعًا قديمًا أُعيد نشره، وقد ينتبه شخصٌ في مجموعة عائليَّة إلى خبر سبق نفيه. المسألة هنا لا علاقة لها بالعمر، أو الموقع، أو المهنة. فكلُّ شخصٍ يعرفُ حقيقةً صغيرةً يستطيعُ أنْ يمنع كذبةً أكبر من العبور من خلاله.. نحن لا نحتاجُ إلى صناعة حالة خوف مضادة للخوف.. ولا إلى التعامل مع كلِّ خبر باعتباره مؤامرةً.. نحتاج فقط إلى فهم طبيعة المرحلة.. فالدول تخوض معاركها بأجهزتها ومؤسساتها ورجالها.. والمجتمعات تحمي ظهر دولها بوعيها وثقتها وعدم تقديم خدمات مجانية لمن يستهدفها.. * نقطة تحت السطر: للحوثيِّ معركتُهُ فِيِ اليمنِ.. ولمَن يقفُ خلفَه معاركُ أُخْرى في عقولِ النَّاسِ.. وقد لا نستطيعُ جميعًا أنْ نكونَ في الميدانِ.. لكنْ مِن المؤكَّد أنَنا لسنَا مضطَّرِينَ إلى أنْ نحملَ روايةَ خصمِنا إليهِ.