في مقابلة مع قناة «روسيا اليوم» الإنجليزية، طُرحت عليّ أسئلة عن التصعيد الحوثي، وقدرة السعودية على حماية أراضيها، ودور تركيا وباكستان في حلف مكة، وفرص استعادة الدولة اليمنية لعاصمتها. وعلى اختلاف هذه الأسئلة، فإنها تلتقي عند قضية واحدة: كيف تتحول القوة العسكرية إلى أمن مستدام، وتسوية تنهي الحرب بدل أن تؤجل جولتها المقبلة؟ أحد الأسئلة ربط بين حجم الإنفاق الدفاعي السعودي واستمرار الهجمات الحوثية، وكأن امتلاك منظومات متقدمة يفترض أن يمنع وصول أي صاروخ أو مسيّرة. وهذا معيار لا تصمد أمامه حتى القوى الكبرى. وقد أظهرت الحرب الروسية الأوكرانية أن التفاوت الكبير في الإمكانات لا يمنع الطرف الأقل قوة من إلحاق الضرر بخصمه. والمقارنة هنا في حدود القدرة العسكرية، دون مساواة بين أسباب الحروب أو مشروعية أطرافها. فالسعودية تحمي مساحة شاسعة، ومدنًا ومطارات ومنشآت حيوية، بينما يستطيع المهاجم تركيز جهده على هدف يختار توقيته. كما أن وصف الحوثيين بأنهم جماعة محدودة القدرات يتجاهل ما راكموه من صواريخ ومسيّرات وخبرات ودعم خارجي. ولذلك يُقاس نجاح الدفاع بحجم الخطر الذي يمنعه، والخسائر التي يقلصها، واستمرار الحياة والخدمات، وسرعة معالجة الأضرار، مع مراجعة الثغرات وتحسين الأداء. والقدرة على الإيذاء لا تساوي القدرة على الانتصار. فقد يحقق هجوم أثرًا إعلاميًا واسعًا، دون أن يغير موازين القوة أو يفرض شروط المهاجم. ومن الخطأ أن نسمح لصورة انفجار بأن تختزل المشهد، متجاهلين ما أُحبط من تهديدات، وما استمر من نشاط اقتصادي، وما يملكه الطرف المدافع من خيارات. في هذا الإطار، يكتسب حلف مكة أهميته. فالتعاون السعودي التركي الباكستاني يوسّع قاعدة الردع، ويمنح الالتزام بأمن الدول الأعضاء مضمونًا عمليًا. والسعودية، وهي تطور قدراتها الذاتية، تعزز شراكاتها؛ فهذا سلوك تتبعه الدول الكبرى أيضًا، إدراكًا منها لقيمة تنسيق الدفاع، وتبادل المعلومات، وتكامل الخبرات. ويظل الطابع الدفاعي للحلف أساسيًا لفهم دوره. فانتشار قوات لحماية الأراضي السعودية لا يعني تلقائيًا دخولها في حرب برية داخل اليمن. كما أن عضوية تركيا في حلف الأطلسي لا تجعل مشاركتها قرارًا أطلسيًا، وامتلاك باكستان سلاحًا نوويًا لا يحوّل المواجهة إلى أزمة نووية. الأهم هو الرسالة السياسية: الاعتداء على السعودية يستدعي تضامنًا وقدرات مشتركة، بما يرفع كلفته ويحد من فرص تكراره. أما السؤال عن تدخل بري سعودي واسع، فإجابته تبدأ من الهدف السياسي. إن امتلاك القدرة لا يفرض استخدامها في كل صورة ممكنة. والمصلحة السعودية تقتضي أن يستعيد اليمنيون دولتهم، وأن تتحمل قواتهم مسؤولية أرضهم، بدعم يعزز قدرتهم على النجاح. فأي تقدم يحتاج إلى مؤسسات تديره، وقوى محلية تحميه، وسكان يثقون بأن ما بعد المعركة سيكون أفضل مما قبلها. ولهذا تحمل المكاسب التي أعلنتها القوات اليمنية قرب باب المندب أهمية تتجاوز حدود المناطق المستعادة. فهي تتيح فرصة لتقليص تهديد الملاحة، وتخفيف الضغط على التجارة، وتحسين موقع الحكومة اليمنية. لكن استثمارها يتطلب تماسك الصف، وتنسيق الجهود بين القوات الحكومية والعمالقة ودرع الوطن وسائر القوى المساندة للدولة، وربط التقدم باستقرار المناطق وحماية أهلها. وتبقى استعادة صنعاء هدفًا يتجاوز السيطرة العسكرية على العاصمة. فالنجاح يتطلب مشروعًا وطنيًا يطمئن السكان، ويجمع القوى اليمنية، ويقدّم بديلًا قادرًا على الحكم والخدمات. ولا تعني سنوات السيطرة الحوثية أن التغيير مستحيل؛ لكنها تؤكد أهمية التفاهمات المحلية، واستعادة الثقة، وفتح الطريق أمام انتقال يحد من الخسائر ويحفظ مؤسسات الدولة. أرى أن السعودية وشركاءها يملكون فرصة مهمة لترجمة تفوقهم في الموارد إلى نتائج سياسية وأمنية مستدامة. ويتوقف ذلك على وضوح الأهداف ووحدة الشركاء وحسن إدارة المكاسب. والمؤشرات الأجدى للنجاح هي تراجع الهجمات، واستقرار المناطق المستعادة، وأمن الملاحة، وتحسن حياة اليمنيين؛ فهذه نتائج يصعب اختزالها في دعاية حرب أو بيان انتصار. أما النهاية التي تستحق العمل من أجلها، فتحتاج إلى أكثر من وقف مؤقت لإطلاق النار. يحتاج اليمن إلى تسوية سياسية جامعة، وسلاح ثقيل يخضع لسلطة الدولة، وضمانات قابلة للتحقق تمنع الاعتداء على الجوار وتهديد الملاحة، وإعمار يمنح الناس مصلحة ملموسة في الاستقرار. ويكون العمل السياسي متاحًا وفق قواعد مشتركة، دون أن يحتفظ أي طرف بامتياز فرض إرادته بالسلاح. السعودية تحتاج إلى جار آمن ومستقر، واليمن يحتاج إلى دولة تصون كرامة مواطنيه وتستثمر موارده لمصلحتهم. وفي التقاء هاتين المصلحتين تكمن فرصة السلام الدائم؛ سلام تسنده القوة، وتحميه المؤسسات، ويجد فيه اليمنيون مستقبلًا يستحق الدفاع عنه. @kbatarfi