منتدى

كيف تُطفئ طبيبًا؟

د. عادل المرزوقي 10 أكتوبر 2026 11:37 3 دقائق قراءة
لا تحتاج إلى أنْ تطرد طبيبًا كي تخسره.. فثمة طرق أكثر تهذيبًا..
أبقِ معطفه الأبيض على كتفيه، واسمه على باب العيادة.. ثمَّ انتزع منه ببطءٍ -لا يُلحظ- الأشياء التي جعلته طبيبًا.. ابدأ بوقته..
ضع بينه وبين المريض شاشةً، وبين الشَّاشة والقرار نماذجَ وموافقاتٍ وإمضاءاتٍ لا تنتهي.. دعه يكتبُ أنَّه عالج أكثر ممَّا تتركه يعالج، ويوثِّق أنَّه فكَّر أكثر ممَّا تمنحه وقتًا للتفكير.. ثمَّ قِس كل شيء..
عُدَّ مرضاه ودقائقه وطلباته ومؤشِّراته، وحتَّى أحلامه.. ولا تشغل نفسك باللَّحظة التي جلس فيها إلى جوار مريض مذعور ليطمئنه.. أو اختار كلماتهِ بحرصٍ ليخبر أحدهم أنَّ المرض الخبيث قد عاد.. أو رجع إلى منزلهِ يحملُ وجه مريضٍ لم يستطع إنقاذه.. فهذه أشياء سيئة تافهة لا تدخل بسهولة في الجداول..
ثمَّ أعطه مسؤوليَّةً أكبر من سلطته.. حاسبه على تأخير لم يصنعه، ونقصٍ لم يعلم عنه، ونظامٍ لا يملكه، ورضا مريض تتقاسمه عشرات التفاصيل.. ثم اختصر الحكاية كلها في رقم.. وضعه أمامه وقل بثقةٍ وعنجهيَّةٍ هذا أداؤك.. ثمَّ إذا من بعد هذا كله -لا سمح الله- تعب.. ذكِّره بأنَّه طبيبٌ.. وإذا اعترض حدِّثه عن إنسانيَّة المهنة وسموِّها..
وإذا طالب بوقتٍ، أو راحةٍ، أو تقديرٍ، أو بعيد الشَّر ترقية.. فاشرح له برفقٍ أنَّ الطبَّ تضحية، وأنَّ الإنسانيَّة امتيازٌ للمرضى وحدهم.. أمَّا الطبيبُ فقد تنازل عن نصيبه منها يوم ارتدى المعطف الأبيض،
والتضحية فضيلة عظيمة حين يختارها الإنسانُ.. لكنَّها تصبح أكثر فائدةً للإدارة حين تختارها له..
وإنْ صمتَ فاعتبر الأمور ممتازةً.. وإنْ فقد شغفَه.. فأرسل إليه استبيانًا عن الاحتراق المهنيِّ.. ثمَّ اطلب منه أنْ يملأه قبل نهاية الدَّوام.. بعد ذلك لا حاجة لأنْ تفعل الكثير.. سيبدأ الطبيبُ بنفسه في الصَّمت.. سيتعلَّم أنْ يقول بخير وهو ليس كذلك.. وأنْ ينهي يومه ثم يحمل ما تبقى من نفسه إلى منزله.. وقد يأتي صباحٌ يدخل فيه المستشفى في موعده، يؤدِّي عمله بإتقانٍ يبتسم لمرضاه ولا يشعر بشيء.. وهنا تكون قد نجحت تمامًا، فأخطر ما تخسره المستشفيات ليس الطبيب الذي يستقيل.. ولكنْ الطبيب الذي يبقى بعدما غادره المعنَى..
لكنْ احذر شيئًا واحدًا.. لا تتركه طويلًا مع مريض يثق به.. فقد يتذكَّر هناك لماذا جاء إلى الطبِّ أصلًا..
قد يتذكَّر أنَّ الطبَّ لم يبدأ بمؤشِّر أداء، ولا بتقرير إنتاجيَّة ولا بنافذة إلكترونيَّة تطالبه بإغلاقها.. بل بإنسان يتألَّم وإنسان آخر تعلَّم ما يكفي ليخفف عنه.. وحينها قد نفهم أنَّ الطبيب لا ينطفئ لأنَّ الطبَّ ثقيلٌ فقد عرف ثقله واختاره..
إنَّما ينطفئ حين يصبح كلُّ ما حول الطبِّ أثقل من الطبِّ نفسه.. ولعلَّ السؤال الذي يستحقُّ أن يظهر يومًا في لوحات الأداء ليس كم مريضًا رأى الطبيب؟ وكم معاملةً أنجز؟ بل كم بقي في هذا الطبيب من الإنسان الذي دخل الطبَّ أوَّل مرَّة؟ فالطب يحتاج إلى التضحية أحيانًا.. بكل تأكيد.. لكنَّه لا ينبغي أنْ يعيش على التضحية بأبنائه.

أخبار ذات صلة