كتاب

«البلاغ الأمني».. وعي إعلامي ومسؤولية وطنية؟

د. سعود الغربي 10 أكتوبر 2026 22:57 3 دقائق قراءة
في بعض المواقف، قد يفصلُ بين الخطر ووقوع الضَّرر دقائقُ معدودةٌ، وربَّما بلاغ واحد. وهذه الحقيقة تجعلُ من ثقافة الإبلاغ أكثرَ من مجرَّد إجراء تتَّخذه الجهاتُ الأمنيَّة، إنَّها سلوكٌ مجتمعيٌّ قد يسهم في حماية إنسان، أو حفظ ممتلكات، أو منع جريمة قبل وقوعها.
ولعلَّ الأرقام تكشف حجم هذه المسؤوليَّة بوضوح.
فقد استقبلت مراكز العمليَّات الأمنيَّة الموحَّدة (911) في مناطق مكَّة المكرَّمة، والمدينة المنوَّرة، والرِّياض، والمنطقة الشرقيَّة، أكثر من 210 ملايين اتِّصال منذ تأسيسها، فيما لا يتجاوز زمن الرَّد على الاتصال ثانيتَين، وترحيله إلى الجهة الميدانيَّة المختصَّة 45 ثانيةً، وفي ديسمبر 2025 وحده، استقبلت مراكز 911 أكثر من 2.7 مليون اتِّصال. وهذا بحسب ما نشرته وكالة الأنباء الرسميَّة (واس).
خلف كلِّ رقم من هذه الأرقام إنسانٌ وموقفٌ واحتياجٌ، وربَّما قصَّة كان يمكن أنْ تنتهي بشكل مختلف، لو تأخَّر البلاغُ، أو لم يصل أصلًا.
من هنا تأتي أهميَّة مبادرة «بلاغ»، التي أطلقتها وزارة الداخليَّة؛ بهدف زيادة المحتوى التوعويِّ الأمنيِّ، وتعزيز ثقافة البلاغات الأمنيَّة، من خلال محتوى إبداعيٍّ متنوِّعٍ. وهي فكرة تتجاوز التوعية التقليديَّة التي تكتفي بتذكير النَّاس بأرقام الطوارئ، إلى بناء قناعةٍ راسخةٍ بأنَّ الإبلاغ في الوقت المناسب مسؤوليَّة وعي، وشراكة في حماية المجتمع.
وهنا تحديدًا تظهر الوظيفةُ الحقيقيَّةُ للإعلام. فالإعلامُ لا ينبغي أنْ ينتظر وقوع الحادثة؛ ليخبر النَّاس بها، بل عليه أنْ يسهمَ في منعها من خلال التوعية. وهذه واحدة من أهم وظائفه التي تتقاطعُ مع المسؤوليَّة الوطنيَّة، إذ يستطيع أنْ يحوِّل المعلومة الأمنيَّة من تعليمات جامدةٍ إلى سلوكٍ مفهومٍ، وأنْ يجيب عن أسئلة قد تبدو بسيطةً، لكنها شديدة الأهميَّة: متى أُبلِّغ؟ ماذا أُبلِّغ؟ كيف أُبلِّغ؟ وما المعلومات التي تساعد الجهات المختصَّة على سرعة التعامل مع البلاغ؟
والأهم من كل ذلك، هو كيف نرسِّخ لدى أفراد المجتمع مفهومًا متوازنًا للبلاغ، فلا يكون البلاغ مبنِّيًا على الشَّائعة، أو سوء الظَّن، أو التَّشهير، وإنَّما على المعلومة، والملحوظة والمسؤوليَّة، مع احترام خصوصيَّة الآخرين، وعدم إساءة استخدام قنوات البلاغ.
إنَّ التوعية الأمنيَّة الناجحة لا تخيفُ المجتمع، بل تمكِّنه. ولا تصنعُ مواطنًا يراقبُ الآخرِين، بل مواطنًا يعرف متى يتدخَّل بالوسيلةِ الصَّحيحة؟ ومتى يصمت؟ ومتى يكون البلاغُ ضرورةً لحماية نفسه والآخرِين؟
وتتضاعف مسؤوليَّة الإعلام في عصرِ أصبحت فيه المعلومة تنتشرُ خلال ثوانٍ، وأصبحَ الهاتفُ الذي نحمله وسيلةً للتَّصوير والتَّواصل والنَّشر والإبلاغ في الوقت نفسه. لذلك فإنَّ صناعة محتوى أمنيٍّ مؤثِّر تحتاج إلى لغةٍ جديدةٍ؛ مبنِّيةٍ على قصص واقعيَّة، ومواقفَ تمثيليَّةٍ تجسِّد الواقع، ورسائل قصيرة، ورسوم توضيحيَّة، ومحتوى رقميٍّ يناسب مختلف الأعمار، ويشرح للنَّاس لماذا يكونُ البلاغُ -أحيانًا- أهمَّ من المشاهدةِ، وأسرعَ من التَّصوير، وأقوَى من إعادةِ النَّشر؟
إنَّ الأمن ليس مسؤوليَّة رجل الأمن وحده، كما أنَّ التوعية ليست مسؤوليَّة الإعلامِ وحده؛ بل جميعها منظومةٌ تتكاملُ فيها الجهاتُ الحكوميَّةُ، والإعلامُ، والمدرسةُ، والأُسرةُ، والمؤسساتُ المجتمعيَّةُ، وصانعُو المحتوَى.
وحين يفهم المواطن أنَّ البلاغ الصَّحيح في الوقت الصَّحيح، قد يمنع خطرًا قبل أنْ يتحوَّل إلى واقع، فإنَّنا لا نكونُ قد علَّمناه رقمًا فقط، بل منحناه دورًا حقيقيًّا في حماية مجتمعه. وهنا تصبح التوعيةُ الأمنيَّةُ أكثرَ من رسالةٍ إعلاميَّةٍ؛ تصبح ثقافةً وطنيَّةً.

أخبار ذات صلة