كتاب

حدود التحريم في أطروحة شحرور

د. أيمن بدر كريّم 11 أكتوبر 2026 22:34 دقيقتان قراءة
تنبعُ أطروحةُ الدكتور (محمد شحرور) حول «المحرَّمات الأربع عشرة» من مركزيَّة النصِّ القرآنيِّ في التَّشريع، ومن التَّحذير الشَّديد من نسبة التَّحليل والتَّحريم إلى الله بغير برهانٍ مُبينٍ.
فالتَّحريمُ في القرآن خطابٌ أخلاقيٌّ وتشريعيٌّ يمسُّ ضمير الإنسان، ويحدِّدُ ما يصحُّ أنْ يُنسب إلى الله، وما لا يصحُّ. لذلك جاء قولُه تعَالَى صريحًا: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: 116].
يرى (شحرور) أنَّ المحرَّمات المُنصوص عليها في القرآن محدَّدةٌ، وأنَّه لا يحقُّ لفردٍ، أو جماعةٍ، أو مؤسسةٍ دينيَّةٍ أنْ تضيفَ إلى «الحرام الإلهيِّ» ما لم يرد فيه نصٌّ واضحٌ. ولا يعني ذلك إلغاء النُّصح الصحيِّ، أو القانونيِّ، أو الاجتماعيِّ، فقد يكون الفعلُ ضارًّا، أو غيرَ مناسبٍ، أو ممنوعًا تنظيميًّا، لكن وصفه بأنَّه «حرامٌ» يحتاجُ إلى دليلٍ قرآنيٍّ صريحٍ.
وقد جمع (شحرور) المحرَّمات في أربع عشرة فئةً كُبْرى، تندرجُ تحتها صورٌ متعدِّدةٌ. ومن أبرزها: الشِّركُ باللهِ، وعقوقُ الوالدَينِ، وقتلُ الأولادِ، واقترافُ الفواحشِ، وقتلُ النَّفسِ بغيرِ حقٍّ، وأكلُ مالِ اليتيمِ، والغشُّ في الكََيلِ والميزانِ، والجُورِ في القولِ، ونقضُ العهدِ، ونكاحُ المحارمِ، ومحرَّماتُ الطَّعام المُنصوص عليها، والرِّبا، والإثمُ والبَغْيُ، والقولُ على الله بغيرِ علمٍ، أيُّ اختراع الحلال والحرام، ونسبتهما إلى الدِّين.
وتجمع آياتُ سورة الأنعام (151– 153) التي تبدأ بقولهِ تعَالَى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾، وصايا كُبرى تتَّصل بالتَّوحيد، والإحسان، وحفظ النَّفس، والعدل، والوفاء بالعهد. وهي لا تنشغل بتكثير الممنوعات، بقدر ما تواجه أصول الفساد التي تهدِّد الإنسان والمجتمع.
ورأى (شحرور) أنَّ التوسُّع في التَّحريم أورث العقل الجمعيَّ خوفًا وتوجُّسًا، حتى صار المسلمُ يسألُ عن المُباح، وكأنَّه يحتاجُ إلى إذنٍ من الفقهاء لممارسته. وربط ذلك بقولهِ تعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [التوبة: 31]، أي حين تُمنح للبشر سلطة التَّحليل والتَّحريم من دون الله.
وخلاصة الفكرة أنَّ كلمة «حرام» ليست ملكًا لأحد، فلا شيخَ، ولا فقيهَ، ولا مؤسَّسة، تملكُ أنْ تضيف إلى كلام الله ما لم يأذن به اللهُ. والمطلوبُ تديُّن ناضجٌ يلتزمُ بحدود الوحي، ولا يُضيِّقُ على النَّاس باسم التديُّن والتَّقوى، أو بحجَّةِ سدِّ الذرائعِ.

أخبار ذات صلة