كتاب

صواريخ الحوثي.. خطر يتجاوز اليمن

د. خالد محمد باطرفي 14 أكتوبر 2026 16:06 3 دقائق قراءة
لم تعد خطورة ميليشيا الحوثي الإرهابية محصورة في انقلابها على الدولة اليمنية، وما ألحقته بشعبها من معاناة، بل تجاوزتها إلى امتلاك أدوات تهدد أمن الدول وحركة الملاحة واستقرار الاقتصاد الإقليمي. فحين تقع الصواريخ البالستية والمجنحة والطائرات المسيّرة الهجومية في يد جماعة مسلحة خارج سلطة الدولة، يصبح أمن الملايين عرضة لحسابات تنظيم يستخدم العنف لفرض إرادته، ويتحمّل اليمنيون وجيرانهم كلفة مغامراته.
هذه هي القضية التي ينبغي أن يتعامل معها المجتمع الدولي بجدية. فالميليشيا لا تحتاج إلى احتلال مدينة كي تربك حياتها؛ يكفي أن تهدّد مطارها أو منشآتها الحيوية، لتتأثر حركة المسافرين والخدمات وسلاسل الإمداد. وحتى الهجوم الذي لا يحقق إصابة مباشرة قد يفرض إجراءات احترازية وتعطيلًا مؤقتًا، ويدفع الناس والمؤسسات إلى تحمّل أعباء إضافية.
وعندما يكون المستهدف مطارًا مدنيًا، فإن الخطر يطول المريض المتجه إلى علاجه، والطالب العائد إلى دراسته، والأسرة المنتظرة أحد أفرادها. وحين تُهدَّد منشآت الطاقة والموانئ، تتسع دائرة الضرر لتشمل مصالح شعوب بعيدة. لذلك لا يجوز اختزال هذه الاعتداءات في بيانات عسكرية وأرقام اعتراضات، ونسيان الإنسان الذي تستهدف أمنه وحياته.
ولم تنشأ الترسانة الحوثية من فراغ. فقد استفادت الجماعة من الاستيلاء على مقدرات الدولة اليمنية ومخازن السلاح والخبرات العسكرية، ثم جاء الدعم الخارجي ليزيد قدرتها على التشغيل والتطوير والتعويض. وتناولت تقارير أممية وفنية دور الدعم الخارجي في تنامي قدراتها، فيما أظهرت مضبوطات ومقارنات فنية صلات بين أسلحة ومكونات بحوزتها ومنظومات خارجية.
ولا يغيّر من هذه الحقيقة إعلان الحوثيين تجميع بعض الأسلحة محليًا؛ فمكان التجميع لا يحدّد وحده مصدر التصميم والتقنية والمكونات. والأخطر من تزويد الميليشيا بسلاح جاهز هو تمكينها من معرفة تسمح بتجديد ترسانتها وصيانتها. عندها يصبح وقف شحنة واحدة خطوة مهمة ضمن مواجهة أطول مع شبكات التمويل والتوريد ونقل الخبرات.
بالنسبة إلى السعودية، فإن التهديد مباشر وجدي، والمسؤولية تشمل حماية المواطنين والمقيمين والزوار وضيوف الرحمن. غير أن القدرة على إحداث الضرر لا تعني القدرة على كسر الدولة أو فرض الإرادة عليها. السعودية تمتلك مؤسسات وموارد وخبرات وقدرة على التكيّف والتعافي، وقد واجهت إرهاب القاعدة وداعش وحافظت على استقرارها، وستواصل مواجهة الإرهاب الحوثي بما تقتضيه طبيعة تهديده.
وللمواجهة الصاروخية متطلبات تختلف عن مكافحة الخلايا الإرهابية. فتنوّع الصواريخ والمسيّرات وسرعاتها وارتفاعات طيرانها، واتساع المساحات وتعدد المرافق المطلوب حمايتها، يفرض تطويرًا متواصلًا لمنظومات الرصد والإنذار والاعتراض. ولا توجد دفاعات تمنح حصانة مطلقة، لكن كل اعتراض ناجح قد يعني أرواحًا أُنقذت ومرفقًا حيويًا حُمي. وأي اختراق يستدعي مراجعة مهنية ومعالجة أسبابه، فالثقة بالمؤسسات تتكامل مع تحسين أدائها.
كذلك، فإن استمرار بعض الهجمات لا يكفي وحده للحكم على نتائج العمليات العسكرية. إنه يثبت وجود قدرة متبقية لدى الميليشيا، دون أن يكشف حجمها أو مقدار خسائرها. والمقياس الأهم هو مدى تراجع قدرتها على الإيذاء وتعويض ما تفقده. لهذا لا تكتمل المواجهة باستهداف القدرات القائمة ما دامت قنوات تجديدها مفتوحة.
وهنا تتضح مسؤولية المجتمع الدولي. فتهديد البحر الأحمر وباب المندب يمسّ التجارة العالمية، ويرفع أعباء النقل والتأمين، وقد يؤخّر الإمدادات. وحماية هذه الممرات ليست خدمة تقدّمها الدول للسعودية، بل دفاع عن مصالح مشتركة. ولا يستقيم أن يُطالب المتضرر بضبط النفس، بينما تواصل شبكات التسليح عملها، وتكتفي الجهات القادرة على ملاحقتها ببيانات القلق.
المطلوب تطبيق فعّال لحظر السلاح، وتتبع موثّق للمكونات والتمويل والوسطاء، ومساءلة من يثبت تورطه. ودقة التحقيق تقوّي المحاسبة؛ فبلد تصنيع المكوّن ليس بالضرورة الجهة التي أوصلته إلى الحوثيين، وقد تمر الشحنة عبر سلسلة من الوسطاء. تحديد هذه السلسلة هو ما يساعد على قطعها.
وبالتوازي، تبقى استعادة الدولة اليمنية ودعم مؤسساتها ضرورة لاستقرار المنطقة. فاليمنيون يستحقون الأمن والخدمات وفرص العمل، ولا يجوز إبقاء مستقبلهم رهينة ترسانة تُستخدم لإدامة الصراع. والتسوية المستدامة تحتاج إلى سلطة مسؤولة تحتكر قرار السلاح، وتحفظ حقوق شعبها وأمن جيرانها.
السلام الذي تحتاجه المنطقة يقوم على سيادة الدول وحماية الناس، ولا يكافئ استهداف المدنيين. والسعودية ستصمد، لكن مسؤولية مواجهة هذا الخطر لا ينبغي أن تقع عليها وحدها؛ فالتساهل مع ابتزاز الصواريخ اليوم يفتح الطريق أمام ميليشيات أخرى غدًا.
@kbatarfi

أخبار ذات صلة