كتاب

مسؤولية المواطن والمقيم في حماية الوطن

د. علي آل شرمة 15 أكتوبر 2026 09:36 3 دقائق قراءة
تمر لحظات في تاريخ الأوطان لا يكون السؤال فيها عما ستفعله الدولة، بل ما يجب على المواطن فعله لأجل وطنه. وفي حالات الحروب فإن الإجابة أبسط مما نتصور وأعمق أثراً مما نعتقد، فهناك أشياء بسيطة يكون لها مردود كبير، مثل الالتزام بالتعليمات، والبقاء في مكان آمن، والابتعاد عن مواقع سقوط المقذوفات، والامتناع عن التصوير، وعدم الانسياق وراء أخبار مجهولة المصدر وإشاعات مغرضة نعلم تماماً أنها تهدف إلى إلحاق الأذى بالوطن.
هذه التصرفات الصغيرة في ظاهرها تصبح جزءاُ من مسؤولية وطنية أكبر لأنها تمكّن رجال القوات المسلحة والأجهزة الأمنية من القيام بواجبهم في حماية المملكة، وهكذا لا يعود المواطن أو المقيم متفرجاً على الأزمة، ويصبح الكل شريكاً مسؤولاً في مواجهتها. فالوعي والانضباط والتكاتف قد تكون جميعها أسلحة وطنية بالغة الأهمية في أوقات الأزمات.
ومع التصعيد الحالي في المواجهات مع جماعة الحوثيين الإرهابية، وما تشهده المملكة من محاولات اعتداء بالمقذوفات والصواريخ والطائرات المسيّرة، تتضاعف أهمية الوعي الشعبي بوصفه جزءاً من منظومة الصمود الوطني، وأحد العوامل التي تساعد الدولة على إدارة المخاطر وحماية الأرواح والممتلكات ورد كيد الأعداء.
ومن الضروري هنا الإشارة إلى أن الجهود التي تبذلها الدولة في توجيه المواطنين والمقيمين لما ينبغي أن يقوموا به تهدف أساساً لحمايتهم وصون حياتهم وأرواحهم، ففي مثل هذه الحالات تكون الدقائق الأولى حاسمة، وقد تتغير طبيعة الخطر بسرعة. لذلك ينبغي ألا يتعامل الفرد مع التنبيه الرسمي بوصفه خبراً عادياً يمكن تأجيل الاستجابة له، أو أن يبني تصرفه على تقدير شخصي للخطر. فالمؤسسات المختصة هي الجهة المخولة بتقييم الموقف وإصدار التعليمات المناسبة. والثقة بتلك التعليمات والامتثال لها يختصران مساحة الفوضى ويعززان قدرة المجتمع على التعامل مع اللحظة الحرجة بأقل قدر ممكن من المخاطر.
من هنا فإن علينا جميعاً إدراك خطورة الاقتراب من مواقع سقوط المقذوفات أو الشظايا أو أي أجسام مجهولة. فلا ينبغي أن نسمح للفضول البشري بمضاعفة مستويات الخطر عبر الاقتراب أو التجمهر أو محاولة لمس الأجسام الغريبة. فما يبدو آمناُ للعين غير المتخصّصة قد يحتوي على خطورة لا يمكن للإنسان العادي تقديرها. كما أن تجمّع الناس يعرقل وصول فرق الدفاع المدني والأجهزة الأمنية ويزيد عدد الأشخاص المعرضين لأي خطر لاحق.
كذلك فإن تصوير مواقع سقوط المقذوفات أو الشظايا ونشرها على شبكات التواصل الاجتماعي يمكن أن ينتج عنه آثار سلبية واسعة مثل إثارة الذعر، أو كشف تفاصيل لا ينبغي تداولها، أو إرسال إحداثيات بالمواقع، أو فتح الباب أمام روايات مضلّلة يتم تركيبها على المشهد الحقيقي.
فالحروب الحديثة لا تجري في الميدان العسكري فقط إنما تصاحبها معركة واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي. ولهذا تنتشر في أوقات التصعيد حسابات مجهولة، ومقاطع قديمة يعاد تقديمها على أنها جديدة، وصور مجتزأة، ورسائل مجهولة المصدر. وأي مشاركة في هذا الصدد ولو بسبب الجهل تمثّل خدمة لا تقدر بثمن للعدو وتمنحه الفرصة لنشر رواياته الكاذبة.
فينبغي في هذه المرحلة أن يكون واضحاً لكل سعودي، ولكل مقيم يعيش على أرض المملكة وينعم بأمنها واستقرارها إدراك أن حماية الوطن لا تبدأ ولا تنتهي عند حدود المواجهات العسكرية، إنما تعتمد على الوعي بالمخاطر. فالسعودية تعيش فترة زاهية من تاريخها وتحولت إلى ورشة بناء كبرى تمتد آثارها إلى الاقتصاد والاستثمار والبنية التحتية والتقنية والسياحة والثقافة وجودة الحياة. وحماية هذه المكتسبات مسؤولية جماعية، لأن الأمن هو القاعدة التي تقوم عليها التنمية، والاستقرار هو البيئة التي تمكّن المجتمع من العمل والإنتاج والتقدّم.
وأفضل ما يمكن أن يقدمه السعوديون والمقيمون في هذه الظروف هو تفويت الفرصة على كل من يسعى إلى نشر الخوف أو الارتباك أو تعطيل الحياة الطبيعية. فكل معلومة زائفة تتوقف عند هاتف مواطن واعٍ، وكل صورة يمتنع شخص عن نشرها مراعاة للسلامة، وكل تحذير رسمي يقابل بالاستجابة والانضباط، يمثّل لبنة في حماية الجبهة الداخلية، وبذلك يصبح التلاحم المجتمعي رسالة قوة بحد ذاته.

أخبار ذات صلة