ليس بالضرورة أن يكون ضعف الإنجاز في بعض المؤسسات ناتجاً عن نقص الكفاءات أو الموارد أو غياب الرؤية، فقد تمتلك المؤسسة أفضل الخبرات، وتتوفر لها أرقى الإمكانات، وتكون خططها وأهدافها واضحة وواقعية، ومع ذلك تتعثر في تحقيقها. ليس لأن العاملين فيها يفتقرون إلى القدرة أو الرغبة في العمل، وإنما لأنهم يعملون ضمن منظومة إدارية تجعل المبادرة واتخاذ القرار أكثر صعوبة من تنفيذه، وتمنح الإجراءات أولوية تتجاوز الأهداف التي وُضعت من أجلها. البيروقراطية في أصلها ليست مفهوماً سلبياً، فقد نشأت لتنظيم العمل وتحديد المسؤوليات، ولا يمكن تصور مؤسسة حديثة تعمل بكفاءة دون أنظمة وإجراءات واضحة. لكن المشكلة هي عندما تتحول هذه الإجراءات من وسائل لتيسير العمل إلى قيود تعيق حركته أو حتى تخنقه، وعندما يصبح الالتزام الحرفي بها معياراً للنجاح، بصرف النظر عما إذا كانت قد أسهمت في تحقيق النتائج المطلوبة أم لا. ولعل أخطر ما في البيروقراطية المفرطة أنها لا تعطل العمل بصورة مباشرة، بل قد تفعل ذلك تحت مظلة الالتزام بالأنظمة وتجنب التجاوزات، والحرص على عدم الوقوع في المحظورات. فالفكرة لا تُرفض بالضرورة، والمبادرة لا تُمنع صراحة، وإنما تدخل في سلسلة من المراجعات والموافقات التي قد تستغرق وقتاً أطول من العمر الافتراضي للفرصة نفسها. وحين تصل الموافقة أخيراً -لو وصلت أصلاً-، تكون الظروف قد تغيرت، أو تكون الفرصة قد انتهت، دون أن يشعر أحد بأنه مسؤول عن ضياعها. وهنا تبرز مسألة كثيراً ما تغيب عن تقييم الأداء المؤسسي، وهي أن الزمن ليس عنصراً ثانوياً في اتخاذ القرار، بل جزء أساسي من قيمته. فالقرار الصحيح الذي يصدر بعد فوات الأوان قد لا يختلف في نتيجته عن القرار الذي لم يُتخذ أصلاً. وبعض الفرص لا تنتظر اكتمال الدورة الإدارية، ولا يمكن استعادتها بمجرد صدور الموافقة المتأخرة. وهناك جانب آخر لا يقل خطورة، يتعلق بتأثير البيروقراطية على ثقافة العمل وسلوك الأفراد، فعندما يدرك الموظف أن المبادرة قد تُعرِّضه للمساءلة، بينما لا يترتب على التأخير أو الامتناع عن اتخاذ القرار أي تبعات تُذكر، فإنه يتعلم تدريجياً أن تجنُّب المخاطرة؛ أكثر أماناً من السعي إلى الإنجاز، أو ما يُسمَّى (الوقوف الآمن بجوار الحائط).. ومع مرور الوقت، تفقد المؤسسة روح المبادرة، ليس بسبب غياب الإبداع والرغبة في الإنتاج، وإنما لأن بيئة العمل لا تمنح الموظف المساحة الكافية لاستخدام قدراته، وتُفضِّل وأد أي فكرة جريئة، على تحمُّل أدنى تبعات لتلك الجُرأة المحمودة!. والمفارقة أن بعض المدراء قد يُخضِع القرارات التي اتُّخذت لمراجعات صارمة ودقيقة، لكنه نادراً ما يسأل عن القرارات التي لم تُتخذ، أو الفرص التي ضاعت بسبب التأخير.. فنحن نجيد قياس المخالفات الإجرائية، لكننا أقل اهتماماً بقياس تكلفة الفرص الضائعة، رغم أن هذه التكلفة قد تكون أكبر بكثير من المخاطر التي صُمِّمت الإجراءات لتجنُّبها. وقطعًا، لا تعني الدعوة إلى الحد من البيروقراطية إلغاء الضوابط، بل تعني إعادة النظر في مدى ملاءمة الإجراءات لطبيعة الأعمال المختلفة، ومنح الصلاحيات لمن يتحملون مسؤولية النتائج، والتمييز بين القرارات الاستراتيجية التي تستدعي التروي، والقرارات التشغيلية التي تتطلب المبادرة وسرعة الاستجابة، فالرقابة الفاعلة لا تقاس بكثرة الموافقات ومركزيتها وصرامتها، وإنما بقدرتها على حماية المؤسسة دون تعطيلها. خلاصة القول، المؤسسات الناجحة ليست تلك التي تخلو من الإجراءات، بل التي تعرف كيف تُسخر إجراءاتها لخدمة أهدافها. وربما حان الوقت لأن نضيف إلى أسئلة تقييمنا المؤسسي سؤالاً بسيطاً: كم فرصة فقدناها، وكم فكرة وأدناها، ليس لأنها كانت خاطئة، وإنما لأن الموافقة عليها جاءت متأخرة، أو لمجرد تصور المسؤول أنها يمكن أن تعكر منطقة راحته وهدوئه؟.