كانت رحلتي إلى روما محجوزة، وحقيبتي جاهزة، غير أنّ الظروف أبقتني في البيت. وجاءني، كما يأتي الشعر في ساعات الخيبة الصغيرة، مطلعُ حافظ إبراهيم: لا تَلُمْ كَفّي إذا السيفُ نَبَا صَحَّ مِنّي العَزْمُ والدَّهْرُ أَبَى ففكّرتُ في روما التي لم أصل إليها. فيها، سنة ١٩٩٨، اعتمدت الدول نظام المحكمة الجنائية الدولية، لتجعل المحاسبة فوق القوة. وفي التاسع من أكتوبر استقبلت نافي بيلاي، القاضية السابقة بالمحكمة الجنائية الدولية ورئيسة لجنة التحقيق الأممية التي خلصت سنة ٢٠٢٥ إلى أنّ إسرائيل ارتكبت إبادةً جماعية في غزة، نبأ فوزها بنوبل للسلام في قاعة محكمة نورمبرغ، حيث حوكم قادة النازية. وبعد ساعات فرضت واشنطن عقوباتٍ على المحكمة نفسها. عالمٌ يكرّم القاعدة ويعاقب حرّاسها في يومٍ واحد. والسؤال الذي تطرحه هذه الأيام على منطقتنا: حين تُعاقَب مؤسسات القانون، هل نواجه عقيدة التفتيت بالقانون، أم بمزيدٍ من التفتيت؟ فتلك العقيدة مكتوبةٌ الآن، أو تكاد. ففي ١٢ أكتوبر نشر تامير هايمان، المدير التنفيذي لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي والرئيس الأسبق للاستخبارات العسكرية، ورقةً ينبغي أن تُقرأ كاملةً في كل عاصمة عربية: «مفهوم الأمن القومي “الجديد”». يستخلص فيها من الممارسة منذ السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ عقيدةً غير مكتوبة، ويقدّمها للنقاش والنقد، ثم يسأل: هل تغيّرت إسرائيل ذاتها؟ ومبادئها العشرة، إذا جُمعت، تكشف منطقاً واحداً: أمنُ الدولة في ضعف جيرانها. فإذا كانت الدولة تُبنى في فترات السلم بين الحروب، فهذه العقيدة تجعل الحرب حالةً تأسيسية. الهوية اليهودية مقدَّمةٌ على الديمقراطية، والسلام ترتيبٌ مؤقت لا غاية، والضربة الاستباقية بديلٌ عن الردع. وتحلّ محلَّ الحدود «مناطقُ دفاعٍ متقدّمة» في سوريا ولبنان وغزة، والاستيطان والمدنيون جزءٌ من المنظومة الأمنية، ولا مكان لدولةٍ فلسطينية. أما الدول العربية فليست في هذا التصوّر أمماً، بل تجمعاتٌ قبلية وإثنية يمكن إدارة تقويض استقرارها، بل تشجيعه. إنها عقيدة الجار الضعيف: يصبح تفكّكه مصلحةً، واستمرار الحرب ضمانةً للأمن. وتُقرأ هذه الورقة فيما تستهدف الهجمات الحوثية مطارات المملكة ومنشآت الطاقة. وهنا تظهر كلفة التفكّك على الجزيرة نفسها: دولةٌ يمنية تستعيد مؤسساتها وسيادتها ضرورةٌ لأمن جيرانها. والجواب لا يأتي من الشكوى، بل من البناء. والبناء الذي تحتاجه الجزيرة اليوم تكاملٌ خليجي يتطوّر ويتحصّن، يصون سيادة الدول وسلامة أراضيها، ويعزّز قدرتها المشتركة على الدفاع، أيّاً كان مصدر العدوان. عقيدةٌ ترى الأمن في تفكيك الجيران، وأخرى تراه في تماسكهم. وفي سنة ١٨٥٩، استعاد أبراهام لنكولن حكمةً شرقيةً قديمة، في حكاية ملكٍ طلب من حكمائه عبارةً تصدق في كل زمانٍ وحال، فأجابوه: «وهذا أيضاً سيمضي». وجد فيها عزاءً في المحنة وتذكيراً في الزهو، ثم استدرك: لعلّها لا تصدق على كل شيء؛ فلعلّ ما يبنيه الإنسان بالعمل والمعرفة من عدلٍ ورخاءٍ يبقى. وأدركتُ مساءً أنّ الطريق إلى روما لم يحتج إلى طائرة. ففي روما حاولت الدول أن تجعل للقوة حساباً، وللسلام مؤسسةً تحميه. فكيف يصبح السلام أساساً لأمن الدول ومستقبل شعوبها، ويتجاوز كونه هدنةً بين حربين؟ صحّ العزم، وأبى الدهر هذه المرة. أما الرحلة فستأتي فرصتها. وأما العقائد التي تجعل الحرب قدراً، فليست أقداراً. وهذا أيضاً سيمضي. ويبقى ما نبنيه. الضبط يبدأ في الطريف... وفي العالم يُختبَر. * هامش: Tamir Hayman, The “New” National Security Concept: Conceptualization and Questions for Discussion, Institute for National Security Studies (INSS), 12 October 2026.