كتاب

الشهداء والمصابون.. أمانة وطن

لواء م. علي حسن الزهراني 21 أكتوبر 2026 22:32 دقيقتان قراءة
في زمن المواجهاتِ، لا تُقَاس التَّضحياتُ بالأرقامِ، ولا تختصرُها الأخبارُ العاجلةُ، فخلف كلِّ شهيدٍ قصَّة وفاء، بدأت بحبِّ الوطن، وانتهت بشرف التَّضحية، وخلف كلِّ مصابٍ بطولة صامتة تحملُ آثار الواجبِ، وتستحقُّ منَّا جميعًا الدُّعاء والرِّعاية والاعتزاز.
إنَّ رجال قواتنا الباسلة، وهم يقفُون في مواقع الشَّرف؛ دفاعًا عن أمن المملكة، وسلامة شعبها، ومقدَّساتها، لا يؤدُّون وظيفةً عابرةً، بل يحملُون أمانةً عظيمةً، وفي كلِّ لحظة خطر يثبتُون أنَّ الوطنَ لا يحميه السِّلاحُ وحده، وإنَّما تحميه -قبلَ ذلكَ- عقيدةٌ راسخةٌ، وقيادةٌ حكيمةٌ، ورجالٌ صدَقُوا مَا عَاهدُوا اللهَ والوطنَ عليهِ.
شهداءُ الواجب ليسُوا غائبِين عنَّا، بل حاضرُون في وجدانِ كلِّ بيتٍ سعوديٍّ؛ لأنَّهم قدَّمُوا أرواحهم؛ ليبقى الوطنُ آمنًا مطمئنًا، وليستمر النَّاس في حياتهم، وأعمالهم، وصلواتهم، وأفراحهم، ومن حقِّهم علينا ألَّا يقتصر وفاؤنا على كلماتِ الرِّثاء، بل أنْ يكون في الدعاء لهم، وفي تقدير أُسرهم، وفي حفظ مكانتهم، وفي استحضار المعنى النَّبيل الذي جسَّدُوه أنَّ أمنَ الوطن أغلَى من كلِّ شيءٍ.
أمَّا المصابُون فهم شركاءُ الشهادةِ في شرفِ الموقفِ، وعظمةِ البذلِ، وقد يحملُ أحدُهم ألمَ إصابته في جسده، لكنَّه يحمل في روحهِ عزَّةً لا تنكسرُ؛ لأنَّه أُصيب وهو يؤدِّي واجبه دفاعًا عن وطنه وأهله. ومن الوفاء أنْ تُمنح هذه الفئة الكريمة ما تستحقُّه من عنايةٍ طبيَّةٍ ونفسيَّةٍ واجتماعيَّةٍ، وأنْ يشعر كلُّ مصاب بأنَّ وطنه يقف معه، كما وقف هو من أجله.
وفي مثل هذه الظروف، لا يكونُ دورُ المواطن متفرِّجًا، أو ناقلًا للشائعات، بل شريكًا في حماية الجبهة الداخليَّة بالوعي والمسؤوليَّة والثِّقة في القيادة، ومؤسَّسات الدولة، فالكلمةُ الصادقةُ ترفعُ المعنوياتِ، والدعاءُ يعبِّر عن الوفاءِ، والابتعاد عن كلِّ ما يخدمُ الإشاعة، أو يثيرُ القلق واجبٌ وطنيٌّ لا يقلُّ أهميَّةً عن كثير من صور الدعم.
وما أشار إليه المتحدِّث الرسميُّ لقوات التحالف، من أنَّ ميليشيا الحوثي تلقَّت دعمًا من أطرافٍ إقليميَّةٍ مكَّنها من الحصول على تقنيات متقدِّمة، يوضِّح أنَّ المواجهة ليست مع أعمال عابرة، أو تهديدات محدودة، بل مع مشروع يسعى إلى الإضرار بأمن المملكة، واستقرار المنطقة، غير أنَّ قيادة المملكة وشعبها لن ينسُوا تضحيات الشهداء، وآلام المُصابين، ولن يتهاونُوا في حماية أمن الوطن، ومقدَّساتهِ ومكتسباتهِ، فوعي القيادة، وجاهزيَّة قواتنا، وتماسك الجبهة الداخليَّة كفيلةٌ بإفشال هذه المخطَّطات وردِّ المعتدِي عن أهدافِهِ.
رَحِمَ اللهُ شهداءَنَا الأبرارَ، وشفَى مصابِينَا، وحفظَ جنودَنا البواسلَ، وأدامَ على المملكةِ أمنَهَا وعزَّهَا ووحدتَهَا.
* ومضة:
لعلَّ في الشدائدِ -رغم قسوتها- ما يكشفُ الحقائقَ، ويُظهر المواقفَ على حقيقتها، فالأزماتُ لا تختبرُ قوَّة الأوطان فحسب، بل تميِّز أيضًا الصَّديق الصَّادق من المتربِّص، والعدوِّ، وكما قال الشَّاعرُ قديمًا:
جَزَى اللهُ الشَّدَائدَ كُلَّ خَيرٍ
عَرِفتُ بِهَا عَدوِّي مِن صَديقِي

أخبار ذات صلة