م. محمد هاشم البدرشيني21 أكتوبر 2026 22:403 دقائق قراءة
قد تبدأ خسارةٌ ماليَّةٌ برسالةٍ قصيرةٍ. وقد ينكشفُ حسابٌ شخصيٌّ؛ بسبب مشاركةِ رمزِ تحقُّقٍ. وقد تتحوَّل لحظة استعجال إلى باب للاحتيالِ والابتزازِ. ومع حلول أكتوبر من كلِّ عامٍ، بوصفه الشهر العالمي للتَّوعية بالأمن السيبرانيِّ، تتجدَّد مسؤوليَّتنا عن تحويل المعرفة بالمخاطر، إلى سلوكٍ يحمي الإنسانَ، ومعلوماتِهِ، ومكتسباتِهِ. وفي المملكة العربيَّة السعوديَّة يحظى الأمنُ السيبرانيُّ باهتمامِ القيادة، بوصفه ركيزةً لحماية المصالح الوطنيَّة، ودعم التنمية، وتعزيز الثِّقة في الفضاء الرقميِّ. وقد تجسَّد هذا الاهتمام في توجيه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، بتبنِّي مبادرتَين عالميَّتَين لحماية الأطفال في الفضاء السيبرانيِّ، وتمكين المرأة في مجال الأمن السيبرانيِّ. ويعكس هذان المساران، اهتمامًا بحمايةِ الإنسان، وتنمية قدراته؛ ليشارك بأمانٍ وكفاءةٍ في صناعة المستقبل. وتمنحنا مبادرة حماية الأطفال مدخلًا مهمًّا لمراجعة مسؤوليَّاتنا داخل الأسرة. فالطفلُ يحتاجُ إلى مَن يعلِّمه حماية خصوصيَّته، والتعامل مع الغرباء، والإبلاغ عن المحتوى المُقلق، أو محاولات الاستدراج. وتزداد فاعليَّة أدوات الرقابة الأبويَّة حين تصاحبها علاقة قائمة على الثِّقة والحوار. فالخوف من العقاب قد يدفع الطفل إلى الصَّمت، في اللَّحظة التي يكون فيها أحوج إلى المساندةِ. كما يفتح تمكين المرأة في الأمن السيبرانيِّ آفاقًا لبناء الكفاءات، وتوسيع المشاركة في حماية المجتمع الرقميِّ. ومن واجب المؤسسات التعليميَّة والمجتمعيَّة دعم الاهتمام بهذا التخصص، وإتاحة فرص التعلُّم والتأهيل بما يعزِّز الاستفادة من الطاقات الوطنيَّة. وفي امتداد لهذه الجهود، أطلقت الهيئة الوطنيَّة للأمن السيبرانيِّ في الأول من أكتوبر 2026، النسخة السادسة من الحملة الوطنيَّة للتوعية بالأمن السيبرانيِّ. وتتناول الحملة ممارسات تمسُّ حياة الناس مباشرةً، مثل مواجهة التصيُّد الإلكترونيِّ، وتفعيل التحقق الثنائيِّ، وتثبيت التحديثات والنسخ الاحتياطي، وحماية الأطفال. وهي موضوعات ينبغي أنْ تجد طريقها إلى أحاديث الأسرة، وبرامج المدرسة، وممارسات الموظَّفين. فالمحتالُ قد يبدأ بمحاولة إقناع الضَّحية بتنفيذ ما يريده طواعيةً. رسالة تنتحلُ صفة جهة معروفة، أو عرض وظيفيٍّ مغرٍ، أو طلب عاجل لتحديث البيانات. وهنا يصبح التوقُّف قبل الاستجابة مهارةً ضروريَّةً. هل بدأتُ هذا الإجراء؟ وهل أعرفُ غرضه؟ وهل يمكننِي التحقُّق منه عبر التطبيق الرسميِّ، أو وسيلة اتِّصال موثوقة؟ وتبدأ الحماية العمليَّة بكلمة مرور طويلة، وفريدة لكلِّ حساب، مع تفعيل المصادقة متعدِّدة العوامل متى توفَّرت. وتستمر بتحديث الأجهزة والتطبيقات والتحقُّق من الروابط، والمرفقات، وحفظ نسخ احتياطيَّة من الملفَّات المهمَّة. أمَّا رموز التحقُّق وطلبات الموافقة الرقميَّة فتستحقُّ انتباهًا خاصًّا؛ لأنَّ اعتماد إجراء مجهول قد يمنح شخصًا آخرَ فرصةً للوصول إلى الحساب، أو تنفيذ عمليَّة باسم صاحبه. وفي بيئة العمل تعني الأمانة الرقميَّة حماية المعلومات، واحترام الصلاحيَّات، واستخدام القنوات المعتمدة. كما يستلزم التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعيِّ إدراك طبيعة البيانات المسموح بإدخالها، والالتزام بسياسات الجهة وضوابطها. فسهولة مشاركة المعلومة لا تمنح صاحبها حقّ نشرها، أو نقلها إلى أيِّ منصَّة يختارها. وللإعلام والمختصِّين في توعية الجمهور مسؤوليَّة في تقديم محتوى دقيق، يشرح الخطر، ويقترح سلوكًا واضحًا للوقاية منه. وتقتضي هذه المسؤوليَّة التحقُّق من التحذيرات قبل تداولها، وتجنُّب المبالغة، واحترام خصوصيَّة المتضرّرين. فالتوعية النافعة تمنح النَّاس القدرة على التصرُّف، وتفتح أمامهم باب السؤال والإبلاغ. وأرى أنَّ أثر حملات أكتوبر يظهر في حساب أصبح أكثر حماية، وطفل وجد مَن يصغي إليه، وموظف أبلغ مبكرًا عن رسالة مشبوهةًٍ، وأسرة تعلَّمت التحقق قبل الاستجابة. ومن هنا تبدأ مشاركتنا في حماية وطننا الرقميِّ بممارسات واعية تتواصل طوال العام.