منتدى

وحدة المصير الخليجي فوق كل الحملات

مطر الزهراني 21 أكتوبر 2026 22:40 دقيقتان قراءة
لم تكن الروابطُ التي جمعت دول الخليج العربي وشعوبها وليدةَ ظروفٍ عابرةٍ، بل هي ثمرةُ عقودٍ من التلاحم والتعاون والمصير المشترك، رسَّختها الجغرافيا، والتاريخُ، والثقافةُ، والمصالحُ المتبادلةُ، وعزَّزتها وشائجُ القربى والمصاهرة، حتى غدت روابطُ الدَّمِ والأخوَّةِ من أسمَى صور التقارب بين أبناء الخليج. ولم يعد أمنُ أيِّ دولةٍ خليجيَّةٍ شأنًا منفصلًا عن أمن شقيقاتِها، بل أصبح استقرارُ المنطقة مسؤوليَّة مشتركة تفرضها وحدةُ المصير، وتحدِّيات المرحلة.
ومع اندلاع الحرب الأمريكيَّة الإيرانيَّة، وما رافقها من اضطرابات إقليميَّة، ومن أعمال عدائيَّة حوثيَّة -مؤخَّرًا- تجاه المملكة، والأعيان المدنيَّة، والمقدَّسات الإسلاميَّة، يعجُّ الفضاءُ الرقميُّ بمحاولات تستهدف كسر الترابط بين شعوب الخليج، وزرع الفتنة بينها. وقد نشطت حسابات تروِّج معلومات مضلِّلة وتتداول ادَّعاءات غير موثقة، مستثمرة مشاعر الغيرةِ الوطنيَّة للخليجيِّين؛ لإضفاء المصداقيَّة على رسائلها، حتَّى بات يُتخذ من الإساءة للدول الخليجيَّة وسيلةً لتأجيج الخلافات، وتغذية العداء، وتحويل الاختلاف إلى خصومةٍ تهدِّد روابط الأخوَّة. وتكمنُ خطورةُ هذه الحملات في توظيف العاطفة الوطنيَّة بين أبناء الخليج لصناعة الانقسام، وإقناع البعض بأنَّ الدفاع عن الوطن لا يكتمل إلَّا بانتقاص الآخرِين، والتشكيك في نيَّاتهم. فالحفاظ على المصالح لا يتعارضُ مع صون روابط الأخوَّة الخليجيَّة، بل يتطلَّب وعيًا يميِّز بين المواقف الحقيقيَّة والحملات المضلِّلة التي تستهدف بث الفرقة وتأجيج الخلافات بين الأشقاء.
ولا شكَّ أنَّ المملكة العربيَّة السعوديَّة، ودول الخليج، يدركُون حجم التحدِّيات، ويحرصُون على صون الأمن والاستقرار؛ ممَّا يتطلَّب من أبناء الخليج عدم السماح لحسابات مجهولة، أو حملات منظَّمة بإفساد ما بناه حكَّامُ الخليج والأجيال من ثقة ومودَّة. فالمواقفُ الرسميَّةُ تُقرأ من مصادرها الموثوقة، والقضايا السياسيَّة تُناقش بالأدلَّة لا بالشَّائعات التي تخدم أجندات مجهولة الأهداف. وحتَّى عندما تصدر عن بعض الحسابات مواقف مُسيئة تجاه دول الخليج وشعوبها، فإنَّ التعامل معها ينبغي ألَّا يتجاوز حدودها، أو يُحمِّل الشعوب تبعاتها؛ فالمواقفُ الفرديَّةُ لا تختزلُ توجُّهات المجتمعات، وما يُنشر رقميًّا لا يعكس بالضرورة مواقف الدول. ومن هنا تبرز أهميَّة التَّمييز بين الأصوات المضلِّلة والمواقف الحقيقيَّة للشعوب، حتَّى لا تتحوَّل منشورات عابرة إلى منافذ تتسلَّل منها الفتنةُ إلى علاقات أخويَّةٍ راسخةٍ.
إنَّ المرحلة لا تحتمل الانقسامات المفتعلة، بل تتطلَّب مزيدًا من التماسك والتنسيق الخليجي، فالتحدِّيات الخارجيَّة تواجهها الشعوب بوحدة الصفِّ، ونضج الوعي، وحُسن تقدير العواقب. إنَّ أخطر ما قد تخسره دول الخليج، ليس اختلافًا عابرًا في المواقف، بل ثقة متبادلة تسمح للفتنة بالنفاذ إلى القلوب. وحماية اللُّحمة الخليجيَّة واجبُ كلِّ مواطن خليجي يدركُ أنَّ قوة وطنه لا تتعارضُ مع محبَّته لأشقائِهِ، وأنَّ الدفاع عن السيادة يجتمع مع صون الأخوَّةِ. فلتبقَ أوطانُنا عزيزةً، ولتبقَ شعوبُنا متآخيةً، وليكن الوعي سدًا منيعًا أمام كلِّ مَن يسعى لتمزيق نسيج الخليج المترابط.

أخبار ذات صلة