يجد الإنسان نفسه عالقًا في منتصف الفهم؛ يُحاول جمع شتات نفسه، ومداواة خيباته، وحماية ما تبقَّى من شغفٍ أنهكته التساؤلات. قد لا يكون على ما يرام، لكنه يُحاول، وربما كانت المحاولة أصدق ما يملكه. تأتي لحظات يبدو فيها الرجوع متعذِّرًا، والتقدُّم شاقًا. تتغيَّر نظرته إلى الحياة، ويتضح أن ما يبدو حكمة قد يكون تعبًا، وأن الصمت ليس دائمًا سكينة، بل محاولة لحمايةِ النفس من ضجيج يتقد داخلها. للخُذلان، على قسوته، وجهٌ آخر: إنه يعفيك من التورُّط في التعلُّق. فحين ينطفئ الأمل في شيء، قد يتحرَّر الإنسان من انتظاره، ويلتفت إلى ما أهمله وهو يترقَّب حدوثه، وتعود إليه نفسه بعد طول اغتراب. لكن الأمل مفارقة مؤرِّقة: يُغري بالمستقبل، ويُحمِّل النفس توقُّعات لا يضمنها الواقع، ثم يتركها تنتظر.. وتنتظر!. ولعل المشكلة ليست في الأمل نفسه، بل في تحويله إلى وعد، وتعليق العيش على موعد مؤجَّل للسعادة، وكأن الحاضر مجرد انتظار. وفي العلاقات، بعض القُرب يستنزف الطاقة، وبعض المسافات يصون المودَّة. ليست الغاية الانقطاع عن الناس بالكلية، بل اختيار صُحبة لا تستدعي تبرير النفس باستمرار، صُحبة تُتيح للإنسان أن يكونَ نفسَه، مُطمئنًّا، دون خَوف أو تكلُّف. أما بالنسبة للماضي، قد تبدو القرارات صائبة في وقتها، ثم تكشف التجربة قصورها. يمكن التعلُّم منها دون مواصلة الندم عليها، فالتسامح مع الذات ليس إنكارًا للخطأ، بل فرصة ألا يتحوَّل الندم إلى عقابٍ لا ينتهي. ليس الوصول إلى فهم الحياة ضمانًا للنجاة من ألمها. ومع ذلك، يبقى في الحُب والصلاة والغناء وجبر الخواطر ما يستحق المحاولة؛ فالحياة تُعاش بما هو ممكن، لا بما كان مأمولاً وحده. قد يبقى الإنسان عالقًا في الطريق، لكن ذلك لا يعني أن يتوقَّف عن السير؛ ليس لأن الوصول مضمون، بل لأن الخيبة لا ينبغي أن تُقرِّر مصيره. يُحكَى أنَّ شيخًا صوفيًّا سأل مريده في حوار رقيق: «إلى أين وصلت يا فتى؟»، فأجاب المريد: «عالق يا شيخي في الطريق؛ فلا بقيت في راحة الجاهلين، ولا أدركت لذّة العارفين». فما كان من الشيخ إلا أن طمأنه قائلاً: «لا بأس يا بني، فالسير على طريق الوصول، وصول».