كتاب

القيادة التعليمية واستشراف المستقبل

د. منى يوسف حمدان 25 أكتوبر 2026 23:42 3 دقائق قراءة
يمثِّل التعليمُ حجرَ الزَّاوية في بناء المجتمعات المتقدِّمة، والمحرِّك الأساس للتَّنمية المُستدامة، والتحوُّل نحو الاقتصادِ القائم على المعرفة. وفي ظلِّ المتغيِّرات المتسارعة التي يمرُّ بها العالم اليوم، أصبحت إعادة تعريف دور القيادة التعليميَّة، وتطوير أدواتها ضرورةً مُلحَّةً لاستشراف المستقبل، وضمان جودة المخرجات. وفي هذا الإطار جاءت الندوة التنمويَّة لقيادات الأجهزة الحكوميَّة بالمنطقة الشرقيَّة، التي أُقيمت برعايةٍ كريمةٍ من صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف بن عبدالعزيز، أمير المنطقة الشرقيَّة، وبمبادرةٍ وتنظيمٍ من مركز اليونسكو الإقليميِّ للجودة والتميُّز في التعليم (UNESCO RCQE)، وبالشراكة مع أمانة المنطقة الشرقيَّة، وغرفة الشرقيَّة؛ لتمثِّل دفعةً نوعيَّةً نحو ترسيخ ثقافة الجودة، والتميُّز في منظومة القيادة والتَّنمية.
انسجامًا مع مستهدَفات رُؤية السعوديَّة 2030، وبرنامج تنمية القدرات البشريَّة، أظهرت الندوة دورَ القيادة الإستراتيجيَّة في تحويل التوجُّهات التعليميَّة إلى أثر تنمويٍّ مُستدام، ينعكس على كفاءة الأفراد والمؤسَّسات. فالاستثمارُ في التَّعليم لم يعد يقتصر على تحسين البنية التحتيَّة، أو تقديم المناهج، بل امتدَّ ليركِّز على بناء قياداتٍ تعليميَّةٍ وإداريَّةٍ قادرةٍ على الابتكار، وإدارةِ التَّغيير، وتطبيق أعلى معايير الجودة الشاملة.
وقد أكَّد الدكتور عبدالرحمن المديرس، المدير العام لمركز اليونسكو الإقليميِّ للجودة والتميُّر في التعليم في كلمته، أنَّ هذه الفعاليَّة جسَّدت مساحةً للتلاقي بين الفكر التنمويِّ والممارسة، الميدانيَّة، مشدِّدًا على أنَّ تحقيق التميُّز التعليمي ينطلق من قيادةٍ واعيةٍ تستوعبُ متطلَّبات المرحلة، وتعمل على استثمار أفضل الممارسات الدوليَّة والإقليميَّة لتطوير البيئة التعليميَّة والتربويَّة.
وشكَّل الإعلانُ عن «وثيقة الدَّمام 2026 من القيادة الإستراتيجيَّة إلى الأثر التنمويِّ المُستدام» المخرج المحوري لهذه الندوة، حيث وضعت الوثيقة خارطةَ طريقٍ إستراتيجيَّة ترتكز على ربط مخرجات التعليم والتدريب باحتياجات التَّنمية المُستقبليَّة.
وتركِّز الوثيقة في جوانبها التعليميَّة والتربويَّة على عدَّة محاور رئيسة:
- ترسيخ معايير الجودة والتميُّز: تمكين المؤسَّسات التعليميَّة من تطبيق نماذج عالميَّة معتمدة للجودة والتطوير المستمر.
- إعداد قيادات المستقبل: الاستثمار في إعداد وتأهيل القيادات التعليميَّة؛ لتكون قادرةً على استشراف المتغيِّرات، واستخدام التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي في الإدارة والتعليم.
- مواءمة المخرجات مع سوق العمل: تعزيز الشراكة بين المؤسَّسات التعليميَّة والقطاعين العام والخاص؛ لضمان إكساب الأجيال القادمة مهارات القرن الحادي والعشرين.
وأظهر التشاركُ الفاعلُ بين مركز اليونسكو الإقليميِّ كمنظمةٍ معنيَّةٍ بالجودة والتميُّز التعليميِّ، والأجهزة الحكوميَّة، والقطاع الخاص، أنَّ النهوض بالتَّعليم ليس مسؤوليَّة جهةٍ واحدةٍ، بل هو نتاجُ تكاملٍ مؤسسيٍّ شاملٍ.
إن دعم أداء القيادات التنفيذيَّة والتعليميَّة، وتوحيد الرُّؤى بين مختلف القطاعات، يُسهم في خلق بيئة تكامليَّة تدعم المبتكرِين والمبدعِين، وتضمن تحويل المبادرات التعليميَّة إلى نتائج ملموسة، تُقاس بأثرها على أرض الواقع.
إنَّ ندوة القيادات الحكوميَّة بالمنطقة الشرقيَّة، وما نتج عنها من إطلاق وثيقة الدمام 2026، تُعدُّ خطوة عملية رائدة تؤكد أنَّ تطوير التعليم والارتقاء بجودته يمر حتمًا عبر بوابة القيادة الإستراتيجية، والتكامل المؤسسي. والتزام مركز اليونسكو الإقليميِّ للجودة والتميُّز في التعليم بنقل هذه الرُّؤى إلى أدبيَّات وممارسات تطبيقيَّة، وهذا الحِراك المستمر للمركز ودوره الريادي في تطوير المنظومات التعليميَّة إقليميًّا ودوليًّا، هو أثر ملموس. وهذا الحضور الدولي الفاعل في هذه المرحلة الرَّاهنة يجسِّد الرعاية الكريمة، والدعم اللامحدود من قيادة المملكة العربيَّة السعوديَّة، تأكيدًا على التزام المملكة بدعم المعرفة، وترسيخ ثقافة الجودة والتميُّز، وصناعة مستقبل تعليميٍّ مستدام يعزِّز التَّنمية على الساحة الدوليَّة.

أخبار ذات صلة