في ميدان دورات تدريب المعلِّمين، يحضر التَّنظيرُ كأجمل ما يكون الوضع المثالي، فيما يعودُ المعلِّمُ إلى الصفِّ بذات الوضع السَّابق، دون أنْ ينعكس أثر تلك الدورات على واقع أدائِهِ، ولذلك أسبابٌ، وأسبابٌ. فعندما يحصلُ المعلِّمُ -على سبيل المثال- على دورةٍ في إستراتيجيَّات التعلُّم، ويأخذه الحماسُ لتفعيلها، يصطدم بواقع ازدحام الفُصول، وما ينتج من ذلك من معوِّق ضبطِ الفصل، فضلًا عن عدم توفُّر البيئة المناسبة لتطبيق وإنجاح تلك الإستراتيجيَّة كما هو حديثُ الورقِ. وفي جانبٍ آخرَ تنحاز التقاريرُ المرفوعةُ إلى حيث إنَّ (كلَّ شيءٍ تمام)، بل وبالدَّرجاتِ العُليا من الوضع المثاليِّ، ثمَّ إذا ما تمَّ الاحتكامُ إلى معيار نواتج التعليم كمقياسٍ يتَّسم بالصدقِ والثباتِ، كشفت النتائجُ عن واقعٍ جديدٍ لم يرد فيما تمَّ جمعه من ورقٍ. وبنفس المعيار، ما يقوم به فريقُ التقويم الخارجي، الذي يتَّخذ من الملحوظة، ونتائج الاختبارات المركزيَّة والوطنيَّة مقاييس معتبرة في التَّقييم، ومرجعًا أصيلًا في الحُكم على واقع الميدان من دون أيِّ محسِّناتٍ، أو رتوشٍ؛ لأجل ذلك تأتي تقديراتُهم (على طريقة أنتَ تقفُ هنا)، وعليكَ التَّحسين، وإكمال المَسِير. ولعلَّ ممَّا يمثِّل ناقوس خطر يقوِّض ما يُرجى ترسيخُه لدى الطُّلاب من قيمةِ (الانضباط)، ما يُلاحظ من تمدُّد رقعة ظاهرة غياب الخميس، في وقتٍ لا تعكس التقاريرُ المرفوعةُ حقيقة ذلك، وهذا ما أعنيه من أنَّ الورقَ لا يظلمُ نقل صورة الواقع فحسب، ولكنَّه يُسهِم في تمدُّد المرض؛ لتستُّره عليه كواقعٍ، وأشنع من ذلك ما يؤدِّي إليه من تأخُّر المعالجة، وصولًا إلى صعوبة ما كان متاحًا في بداية المُشكلة من بدائل الحل. لنصل إلى أنَّ الميدان التعليميَّ بقدر ما يعتمد على التَّنظير، والصورة المثاليَّة، التي يصعبُ تجسيدهَا على أرض الواقع، إلَّا أنَّ ممَّا يمثِّل نقلةً، وضوءًا في آخرِ النفقِ، اعتماد الملحوظة المباشرة، والزِّيارات غير المجدولةِ؛ للحُكم على واقع تعليمنا بعد عقودٍ من هيمنةٍ ما يرد على لسانِ الورقِ، وَعِلْمِي وَسَلَامَتكُم.