في زمنٍ أصبحت فيه الكلماتُ تنتقلُ أسرعَ من فهمها، والصُّور تُفسَّر قبل معرفة حقيقتها، ظهرت مشكلةٌ تؤثِّر في علاقات النَّاس وتواصلهم، وهي سوءُ الظَّنِّ الذي أصبح سببًا في كثير من الخلافات، وسوء الفهم. فكم من كلمةٍ كُتبت بنيَّةٍ طيِّبةٍ، فحُمِّلت معنى لم يقصده صاحبُها؟ وكم من فكرةٍ عامَّة تحوَّلت في أذهان البعض إلى رسالة شخصيَّةٍ، لمجرَّد وجود خلاف سابقٍ، أو موقفٍ لم يُنَسَ؟ وهنا يبدأ الخللُ عندما يقرأ البعضُ الكلمات بعين الخلاف لا بعين الفهم، ويبحث عن المقصود خلف السُّطور قبل أنْ يسأل عن المعنى الحقيقيِّ. ومن هنا تتوالى التأويلات التي لا تستند إلى دليلٍ، وتتَّسع دائرة الظُّنون، وتُشحن النفوس، وتولد حساسيَّات لم تكن موجودة في الأصل. ومع تكرار هذه المواقف، أصبحنا أحيانًا نتردَّد في نشر كلمة عامَّة، أو مشاركة فكرة عابرة، ليس خوفًا من الاختلاف، بل خشية أنْ تُفسَّر النوايا بغير حقيقتها. فالكلمة التي كان يمكن أنْ تكون مساحةً للحوار قد تتحوًّل، بسبب سوءِ الظنِّ، إلى باب للخلاف والقطيعة. ولعلَّ أخطر ما يفعله سوءُ الظنِّ أنَّه لا يكتفي بتغيير نظرتنا إلى الآخرين، بل يصنع داخلنا قصَّة كاملة لم تحدث. إذ تبدأ الحكاية بفكرةٍ صغيرةٍ، ثمَّ يكبرها العقل بالتوقُّعات والتَّحليلات، حتى يصبح الإنسانُ يتعامل مع احتمالٍ وكأنَّه حقيقةٌ. فعندما تنقصه المعلومات، قد يملأ الفراغَ بتفسير من عنده، متأثرًا بتجارب سابقة، أو مشاعر داخليَّة، أو مواقف لم تُحل بعد. وهنا تكمن خطورة أنْ نحاسب الآخرين على شيء لم يقولوه، أو نلومهم على نيَّة لم يثبت وجودها. ولأنَّ هذه الآفة قد تفسد العلاقات، وتزرع الخلاف بين النَّاس، جاء التوجيهُ الإلهيُّ واضحًا في التحذير منها، فقال تعالى في سورة الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾. وهذا التوجيه القرآنيُّ يذكِّرنا بأهميَّة التثبُّت والإنصاف، وعدم بناء الأحكام على مجرَّد التوقُّعات والشُّكوك. ومن هنا، نحتاج في علاقاتنا الإنسانيَّة إلى مساحة من الوعي؛ فليس كلُّ صمتٍ تجاهلًا، وليس كلُّ اختلافٍ تقليلًا، وليس كلُّ كلمةٍ تحمل رسالةً خفيَّةً. فقد يكون ما نراه مجرَّد موقفٍ عابرٍ، لكن طريقة تفسيرنا له هي التي تمنحه حجمًا أكبرَ. فالنضج الحقيقيُّ لا يعني أنْ نغفلَ، أو نثقَ بلا حدود، بل أنْ نكون منصفِين، وأنْ نضع الاحتمالات قبل الأحكام، ونسأل قبل أنْ نفسِّر، ونتحقَّق قبل أنْ ننقل. فالكلمة مسؤوليَّة، والتفسير مسؤوليَّة، والحكم على الآخرين مسؤوليَّة أكبر. وقد يكون أجمل ما نقدِّمه في زمن كثرت فيه التأويلات، أنْ نمنح النَّاس مساحةً من الرَّحمة والإنصاف، وأنْ ندرك أنَّ الاختلاف لا يعني بالضَّرورة وجود خلاف، وأنَّ لكل إنسان الحق في التَّعبير عن أفكاره دون أنْ تُحمَّل كلماته معاني لم يقصدها فليس كلُّ منشورٍ موجَّهًا لأحدٍ، وليس كلُّ رأيٍ رسالة مبطَّنة، وليس كلًّ اختلافٍ بداية خصام. وأحيانًا تكون الكلمةُ مجرّد فكرة خرجت لتُقال، لا لتُؤوَّل. إنَّ حُسن الظنِّ ليس ضعفًا، بل وعيٌ ونضجٌ، وهو راحة للقلب قبل أنْ يكون إنصافًا للآخرين؛ لأنَّه يطفئ نار الفتنة قبل اشتعالها، ويحفظ العلاقات من أحكام بُنيت على أوهامٍ. فلنحاول أنْ نرى النَّاس بما قالوا، لا بما توقَّعنا، وأنْ نبحث عن الحقيقة قبل أنْ نمنح الظنَّ مكانه. فكم من فتنة بدأت بفكرةٍ لم تكن صحيحةً، وكم من علاقةٍ نجت؛ لأنَّ أحدَهم اختارَ أنْ يُحسنَ الظَّنَّ.