كتاب

السعودية ومصر.. شراكة تصنع التوازن

د. سعود الغربي 07 نوفمبر 2026 22:40 3 دقائق قراءة
لا تُقاس قوَّة الدول بقدرتها على حماية حدودها ومصالحها فحسب، بل بقدرتها أيضًا على بناء التحالفات التي تحاصر التهديدات، وتمنع اتِّساع الصِّراعات. ومن هذا المنطلق، يكتسبُ إعلان مجلس الدفاع الوطنيِّ المصريِّ التضامن الكامل مع المملكة العربيَّة السعوديَّة، وتقديم الدَّعم اللازم والممكن للدِّفاع عن أمنها، واستقرارها، وسيادتها، ومقدَّساتها، أهميَّة تتجاوز حدود العلاقات الثنائيَّة؛ لتلامس جوهر الأمن القوميِّ العربيِّ، ومستقبل الاستقرار الإقليميِّ.
فالعلاقة السعوديَّة المصريَّة ليست استجابةً ظرفيَّةً لأزمةٍ عابرةٍ، بل شراكة تاريخيَّة تستند إلى مصالح متداخلة، وثقل سياسيٍّ وإستراتيجيٍّ للبلدين. وتدرك القاهرة أنَّ أمنَ المملكة والخليج، يرتبط بأمن المنطقة، وأنَّ أيَّ اضطراب واسع في هذه الجغرافيا الحيويَّة لا تتوقَّف تداعياته عند حدود دولةٍ بعينها، بل تمتد إلى التجارة الدوليَّة، والممرَّات البحريَّة، وأسواق الطَّاقة والاستثمار.
ومن المهم قراءة الموقف من منظورٍ سعوديٍّ واقعيٍّ، فالمملكة تمتلك مقوِّمات سياسيَّة واقتصاديَّة وإستراتيجيَّة كبيرة، وتعمل على تعزيز قدراتها الدفاعيَّة، وحماية مصالحها الوطنيَّة. ولا يعني انفتاحها على التحالفات أنَّها تبحث عن تعويض لنقص في القوَّة، بل يعكس نهجًا يدرك أنَّ القوَّة الذاتيَّة والتحالفات الفاعلة ركيزتان متكاملتان لحماية الأمن الوطنيِّ.
فالدولة القويَّة لا تنغلق داخل قدراتها، وإنَّما توظِّفها لبناء شراكات تقلِّل احتمالات المواجهة، وتوسِّع خيارات التعامل مع الأزمات، وتعزِّز فرص احتواء التهديدات. والتحالفات لا تضمنُ منع كلِّ اعتداء، لكنَّها تتيح تنسيقًا أوسعَ للمواقف، وترفع كلفة التصعيد، وتدعم المصالح المشتركة.
وتزداد أهميَّة الموقف المصريِّ، عندما يقترن بالتَّنسيق السياسيِّ والدبلوماسيِّ، والعمل على خفض التَّصعيد. فدعمُ المملكةِ وحماية سيادتِها، لا يتعارضان مع السَّعي إلى الحلول السياسيَّة، بل يتكاملان في معادلة تجمع بين الرَّدع، ومنع اتِّساع الصراع، وصون الحقوق، وتقليل الخسائر.
وهنا تبرز مسؤوليَّة الصحافة والإعلام؛ إذ لا يكفي نقل البيانات الرسميَّة، بل ينبغي تحليل دلالاتها ومتابعة ما يترتَّب عليها عمليًّا. وتتمثَّل الأسئلة المهنيَّة في مدى تحوُّل التضامن السياسيِّ إلى آليَّات مستدامة للتَّنسيق الأمنيِّ والدفاعيِّ، وانعكاسه على حماية الممرَّات البحريَّة، والمصالح الاقتصاديَّة، وقدرة الأطراف المعنيَّة على الجمع بين الرَّدع والدبلوماسيَّة.
كما تقتضي المهنيَّة التَّمييز بين التفويض السياسيِّ والقرار التنفيذيِّ، وعدم تقديم احتمالات التدخُّل العسكريِّ باعتبارها وقائعَ محسومةٍ. فالمصداقيَّة تقوم على المعلومات الموثَّقة، ومقارنة المواقف المعلنة بالإجراءات الفعليَّة، وتجنُّب التهويل والتهوين، وعدم تحويل التَّحليل إلى خطابٍ عاطفيٍّ، أو أداة لتأجيج الخلافات.
ومن الخطأ أيضًا تصوير العلاقات السعوديَّة المصريَّة باعتبارها مصالحَ متعارضةٍ بالضَّرورة، فالتباين في بعض التقديرات لا يُلغي المصالح المشتركة، مثلما أنَّ قوة العلاقات لا تعني غياب التحدِّيات. والمحلِّلُ المحترفُ هو مَن يقرأ الوقائع في سياقها، ويرصد التحوُّلات، ويفصل بين المعلومة والاستنتاج.
إنَّ الرسالة الأهم أنَّ المملكة تجمع بين قوَّة قدراتها الذاتيَّة، والإيمان بأهميَّة الشراكات الإستراتيجيَّة. فاستقرار المنطقة لا تصنعه دولة واحدة مهما بلغت إمكاناتها، بل تدعمه دول تدرك أنَّ حماية السيادة، وتعزيز المصالح المشتركة مساران متكاملان. ومن هنا، فإنَّ قيمة الشراكة السعودية المصرية لا تقتصر على مواجهة التحديات الراهنة، بل تمتد إلى بناء بيئة إقليمية أكثر استقرارًا، تتيح فرصًا أوسع للتنمية والازدهار.

أخبار ذات صلة