* قبل سنواتٍ، كنتُ برفقة أحد الزملاء في زيارة عمل إلى المكسيك، وكان حصولُنا على تأشيرة الدخول من سفارتها في الرِّياض، وما لفت انتباهنا -آنذاك- إرفاق التأشيرة ببطاقة تتضمَّن مجموعة من التَّعليمات والتَّحذيرات، التي ينبغي على الزَّائر مراعاتها فور وصوله إلى العاصمة (مكسيكو سيتي)، من بينها الحذر من اللُّصوص، وقطَّاع الطُّرق، والابتعاد عن مناطق التجمُّعات، وتجنُّب حمل النقود خشيةَ التعرُّض للسَّرقةِ، أو السَّلبِ بالإكراهِ. ولم تكن تلك التَّحذيرات مجرَّد احتياطات نظريَّة، فقد لمسنا خلال الأيام الثلاثة التي أمضيناها هناك، بعضًا ممَّا حذَّرتنا منه السَّفارة. ***** * هذا، وقد استعدتُ تلكَ الرحلة وتفاصيلها، وأنا أتابعُ تحذيرات السَّفارة المكسيكيَّة في المملكة العربيَّة السعوديَّة لمواطنِيها، مطالبةً إيَّاهم بتوخِِّي الحذر؛ بسبب التوتُّرات التي تشهدها المنطقةُ، وهنا تبدُو المفارقة المُثيرة للعجب والتأمُّل؛ فالسَّفارةُ التي كانت تحذِّر زوَّار وطنِها من مخاطر أمنيَّة حقيقيَّة، تصدر اليوم تحذيراتٍ لرعاياها، فيما هي تُدركُ جيِّدًا أنَّ السعوديَّة -ورغم الظُّروف الطَّارئة- هي أكثرُ دول العالم أمانًا. ***** * فالحقيقةُ الواضحةُ التي يُدركها كُلُّ مَن يعيش على أرض المملكة، أو يزورُها، سيجدها -رغم ما يحيط بالمنطقة من تحدِّيات وتطوُّرات- تنعمُ -بفضل الله- بأمنٍ واستقرارٍ راسخَين، وأنَّ الحياة فيها تسيرُ بصورةٍ طبيعيَّةٍ في مختلف المدن والمناطق، فالأسواقُ مفتوحةٌ، والمطاراتُ تعملُ، والطُّرقُ تعجُّ بالحركةِ، ومختلف الأنشطة الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والفنيَّة والرياضيَّة تمارسُ أعمالَها دون اضطرابٍ، وهذا ليس انطباعًا عاطفيًّا، بل واقع يلمسه المواطنُ والمقيمُ والزَّائرُ. ***** * ولعل الطَّريف في الأمر، أنَّ تغريدة التَّحذيرات المكسيكيَّة لم تمر مرورَ الكرام على منصَّات التَّواصل الاجتماعيَّ؛ إذ قابلها مكسيكيُّون بملايين الريتويتات والتَّعليقات التي حملت موجاتٍ من السُّخرية المُرفقة بمقاطعَ مرئيَّةٍ عمَّا يحدثُ عندهم، بل خاطب بعضهم السعوديِّين بما معناه: لا تأتُوا إلى المكسيك، فبلادُكم أكثرُ أمنًا واستقرارًا من بلادِنَا. ***** * وهنا بالتأكيد، فالأمنُ ليس بيانًا تُصدُره سفارةٌ، ولا تحذيرًا تنشره جهةٌ دبلوماسيَّةٌ، وإنَّما واقعٌ تصنعه دولةٌ بمؤسساتها وقوَّتها واستقرارها، ويشهدُ به أهلُها وزوَّارُها، ولذا ستظلُّ المملكةُ -بحمد الله- وبتضحيات أبطال جيشها، وأمنها، وتلاحم شعبها، ودعم وعناية قيادتها الحكيمة، واحة أمن وطمأنينة، مهما تعددت وتعاظمت التحديات، ومهما حاولت بعضُ التَّحذيرات أنْ ترسمَ صورةً مغايرةً للواقع. ويبقَى، حَفِظَ اللهُ بلادَنا، وأدامَ عليهَا نعمةَ الأمنِ والخيرِ والسَّلامِ، وسَلامَتكُم.