كان المعطانيُّ -ولا يزال- مربيًّا حقيقيًّا، وأستاذًا أمينًا ينتمي لجيل من الأساتذة الذين تشعر بالحبور أنَّ القدر قد سمح لك أنْ تمر عليهم، وتثني الركب في مجالس علمهم. لا يجاملك المعطاني، ولا يجملك بما لا تستحق؛ حين تخطئ، أو تقصر، فاعلم أنَّك في مرمى نقده اللاذع. وقاعةُ الدَّرسِ معَ المعطانيِّ كانتْ حيويَّةً قلقةً -شأنهَا شأنُ المعرفةِ- كانتْ نظريَّاتٍ قديمةً وحديثةً، نقاشاتٍ جريئةً ومتشعِّبةً، حكاياتٍ مُفعمةً بالحكمةِ، وتحليلِ نصوصٍ.. تحليلِ نصوصٍ شعريَّةٍ، هل تفكِّرُونَ في ميميةِ الحُطيئةِ؟ لا بأسَ. كانَ يطيبُ لهذَا الشَّاعرِ التَّعيسِ أنْ يتشمَّت علينَا ونحنُ في خطِّ النَّارِ، ننعمُ بلهيبِ المعطانيِّ وسياطِ علمِهِ. كانَ المعطانيُّ من أولئكِ الذِينَ ساعدُونَا على بناءِ جسرٍ منهجيٍّ بينَ القديمِ والحديثِ، ومن يومِهَا لا أشعرُ بأيِّ تناقضٍ أو نشازٍ، وأنَا أرَى في مسيرةِ النَّقدِ الأدبيِّ امتدادًا لفكرٍ إنسانيٍّ يتعاملُ مع مادةٍ إنسانيَّةِ الجوهرِ والوظيفةِ، أعنِي الأدبَ بطبيعةِ الحالِ.
كان المعطانيُّ -ولا يزالُ- شيخاً من شيوخِي، شرفني بتوصيةٍ علميةٍ طرتُ بها إلى بريطانيا، وأتذكر رداً من أستاذٍ في جامعة بريطانية عريقة تقدمتُ للحصول على قبولِ فيها. قال الردُّ: «رأيتُ ملفكَ. وأفكرُ أن أقبلك عندي. الموضوع ليس مناسباً لي، لم يجذبنِي. جذبتنِي توصيةٌ -صادقةٌ- من زميلٍ أعرفهُ جيداً.. عبدالله المعطاني».