منتدى

بين الازدحام والذوبان... تُمحى الملامح

د. سلطان بن مرزوق الحربي* 13 أغسطس 2025 10:47 دقيقتان قراءة
في زمنٍ ازدادت فيه الأعداد، وتكدست فيه المظاهر، وارتفعت فيه الأصوات... خفَتَت الملامح.. صار الإنسان جزءًا من تدفّق لا يرحم، واندمج في زحامٍ لا يُمهله أن يسأل: من أنا وسط هذا الضجيج؟

أصبحنا نحضر في كل مكان، إلا داخل أنفسنا. نُجامل، نُعلّق، نُشارك، نُبدي الرأي، لكننا ننسحب بصمت من جوهرنا الحقيقي، ونستبدل العمق بالسرعة، والصدق بالانطباع، والهوية بالانتماء العابر.

الزحام لا يخلق الحضور... بل يهدّد الفرد بالذوبان.

الناس يركضون: خلف النجاح، خلف الظهور، خلف رضا الجمهور، لكن القليل فقط يركضون خلف ذواتهم.

صار من الطبيعي أن تسأل: "كيف أبدو؟"، قبل أن تسأل: "ماذا أصبحت؟"

الملامح تُمحى حين نُقرّر أن نُشبه الجميع. حين نخشى أن نختلف، أن نختار، أن ننسحب من مشهد لا يُشبه قناعاتنا.

أن تبقى كما أنت... وسط عالمٍ يُطالبك أن تكون نسخةً قابلة للتعديل، هو شجاعة تُشبه العزلة، لكنها لا تعني الانسحاب، بل الحضور بشروطك.

في البيئة الاجتماعية، كثيرون يتقمصون شخصيات لا تُشبههم. يضحكون وهم لا يفرحون، يُجادلون وهم لا يؤمنون، يصفقون وهم في داخلهم صامتون.

والسؤال هنا: هل نحن حقاً نعيش... أم نُعرض؟

المجتمع لا يُقاس بكثافته، بل بوعيه.. وحضور الإنسان لا يُقاس بعدد ظهوره، بل بعمق أثره.. والمكان لا يعطيك قيمة، إن لم تأتِ إليه محمّلاً بقيمتك أنت.

أن تكون بين الناس... دون أن تضيع بينهم، تلك هي البطولة.

أن تندمج دون أن تذوب، أن تتفاعل دون أن تتنازل عنك، أن تقول "لا" حين يجب أن تُقال، حتى ولو أرهقك الصمت، أو جرّحك الانسحاب.

فالعزلة ليست هروباً... والاختلاف ليس تمرداً... والوضوح ليس وقاحة.

في هذا العالم المزدحم... حافظ على ملامحك، فهي رأس مالك الوحيد.

* أستاذ القانون المشارك بالجامعة السعودية الإلكترونية بجدة

أخبار ذات صلة