منتدى

صراع الدخان والمصالح

د. صبحي الحداد 03 ديسمبر 2025 22:26 دقيقتان قراءة
يعيشُ العالمُ اليومَ مفارقةً صحيَّةً واجتماعيَّةً معقَّدةً، عنوانها: التَّدخين بين القديم والجديد. فمن جهةٍ لا تزالُ سجائر التبغ التقليديَّة، وأرجيل المعسِّل تحتلُّ مكانها في المقاهِي والمجالس، رغم كلِّ التحذيرات الصَّارخة عن أضرارِهَا المؤكَّدةِ على الرِّئتَين والقلبِ والأوعيةِ الدمويَّةِ. ومن جهةٍ أُخْرى، صعدَ نجمُ «التَّدخين الإلكتروني» من سجائرَ إلكترونيَّةٍ، و»فيب» ونكهات جذَّابة، تحت شعار «البديل الآمن»، أو «الانتقال الأقل ضررًا»، حتى بات كثيرُونَ يرونَهُ مخرجًا من الإدمان، لا مدخلًا جديدًا إليه.

لكنَّ خلف هذا المشهد المزدوج، تدورُ حربٌ خفيَّةٌ بين عملاقَيْ صناعةِ النيكوتِينَ: شركات التَّبغِ التقليديِّ من جهةٍ، وشركات التكنولوجيَا الحديثة من جهةٍ أُخْرى. الأُولَى تحاولُ التمسُّك بسوقِهَا التاريخيِّ عبر تحسينِ صورتها، وترويج منتجاتِ «التسخين دون احتراق»، والثانية تسعَى لاقتناص الجيل الجديد، عبرَ أدوات التَّسويق الرقميَّة، والألوان الجذَّابة، والعبارات المضلِّلة عن «الأمان النسبي»، و»التحكُّم في الجرعة».

وتتساقط في خضمِّ هذا الصِّراع العلميِّ والتجاريِّ معلوماتٌ متناقضةٌ تُربك المستهلكَ: تقارير تموِّلها شركات، وأبحاث مشكوكٌ في نزاهتِهَا، ومؤتمرات صحيَّة تُستخدَمُ لتلميعِ منتجٍ هنا، أو شيطنةٍ هناك. وبين مطرقةِ التبغ، وسندانِ الإلكترونيِّ، يبقى المواطنُ هو الخاسرُ الأكبرُ، ما دام يبتلعُ «الدخانَ» -أيًّا كان شكله- ويصدِّق ما يُعرَض عليه من وعودٍ برَّاقة.

النتيجة المؤكَّدة علميًّا -حتَّى الآنَ- أنَّ كلا النوعَين يحملُ ضررًا واضحًا: فالتقليديُّ يحرقُ ويقتلُ بالتدريجِ، والإلكترونيُّ قد لا يحرقُ، لكنَّه يُبقِي الإدمانَ قائمًا، ويفتح أبوابًا جديدةً لمشكلات تنفسيَّة وقلبيَّة لم تُكشف آثارها البعيدة بعد.

ولعلَّ الرسالة الأهم ليست في تفضيل أحدهما على الآخر، بل في الوعيِ بأنَّ «سلامة التَّدخين» ليست سوى وَهمٍ تسوِّقه الشركاتُ، بينما الحقيقة البسيطة تقول: لا دخانَ بلا ضررٍ. والأهم والأفضل هو البُعد عن التَّدخين بكلِّ أشكاله، وعدم الانغماس في مستنقعاتِهِ؛ حفظًا للصحَّة والمالِ.

esobhi2008@hotmail.com

أخبار ذات صلة