د. عبدالرحمن الهاشمي*07 يناير 2026 21:174 دقائق قراءة
منذ أن أطلق صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء رؤية المملكة 2030، برز من بين أهدافها الطموحة تحقيق توازن مستدام بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة والموارد الطبيعية، عبر تبني استراتيجيات وبرامج مبتكرة تساهم في تحقيق التنمية المستدامة وتحسين جودة الحياة، من خلال بناء مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر يحقق طموحات الوطن.
وجاء إطلاق سموه لمبادرة السعودية الخضراء عام 2021م ليؤكد مضي المملكة في جهودها التي تستهدف تعظيم أثر القطاع البيئي وإعلاء قيمته باعتباره أحد محركات النمو الاقتصادي التي تساهم في إثراء مسارات التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
وقد برز من بين الأهداف النوعية لهذه المبادرة الريادية حماية 30% من المناطق البرية والبحرية بالمملكة والحفاظ على التنوع الأحيائي واستعادة التوازن البيئي، وخفض الانبعاثات الكربونية، وحماية الغطاء النباتي من خلال مشاريع التشجير التي تستهدف زراعة 10 مليارات شجرة بحلول العام 2030، الى جانب استعادة الأراضي المتدهورة عبر إعادة تأهيل أكثر من 74 مليون هكتار من تلك الأراضي.
وفي سبيل تحقيق هذه المستهدفات، كان لا بد من وضع خطط استباقية فعالة لمواجهة حزمة من التحديات البيئية، التي يبرز من بينها النباتات الغازية التي تهدد التنوع الأحيائي وتستنزف الموارد المائية، وتؤثر على تركيبة النظام البيئي، الى جانب تأثيرها السلبي على التنوع النباتي وكيمياء التربة، وجودة الغطاء الأخضر، وأضرارها الاقتصادية المتعددة.
ويبرز على رأس قائمة هذه النباتات: نبات المسكيت Neltuma juliflora الذي يعتبر أحد مهددات النظم البيئية المحلية، التي تؤثر سلباً على التنوع النباتي. وهو شجرة أو شجيرة معمرة تنتمي إلى الفصيلة البقولية، وموطنها الأصلي أمريكا الوسطى والجنوبية، إلى جانب نبات التبغ الكاذب، واللانتانا، والبارثينيوم، والأرجيمون، والحلفاء، والتين الشوكي والصبار الاسطواني.
ولعلنا نتوقف هنا مع نبات المسكيت الذي يمتلك قدرةً عالية على التكيف مع الظروف البيئية القاسية. ونظراً لسرعة انتشاره واستعماره للأراضي ذات الغطاء النباتي والزراعية -بسبب تأثيره الإيلوباثي (إفراز مواد كيميائية تمنع إنبات النباتات الأخرى المجاورة)- فقد تم تصنيفه من قبل العديد من المنظمات الدولية، مثل الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) ) والمنظمة الأوروبية والمتوسطية لحماية النباتاتEPPO)) كأحد أسوأ النباتات الغازية في العالم!!
من الأضرار البيئية التي يسببها نبات المسكيت، بالإضافة إلى تأثيره الإيلوباثي، منافسته للأنواع النباتية الأصيلة على الموارد المائية، نظراً لامتلاكه جذوراً عميقة وكثيفة تمتص المياه والعناصر المعدنية بشكل أكبر، الى جانب معدلات النتح العالية الناتجة عنه، وهذا يؤدي إلى تشكل غابات أحادية النوع، مما ينعكس سلباً على التنوع الأحيائي في المنطقة المتضررة.
وبالإضافة إلى أضرار هذا النبات على البيئة، هناك أضرار صحية لا يمكن إغفالها، تتمثل في التسبب بالحساسية التنفسية نتيجة حبوب لقاحه، والإصابة بالسموم الجلدية، وانتشار الحشرات المسببة للملاريا.
ومنذ إدخال المسكيت إلى المملكة العربية السعودية في ثمانينيات القرن العشرين ضمن برامج التشجير ومكافحة التصحر آنذاك، حيث تمت زراعته في مناطق متعددة كمصدات للرياح وحواجز رملية، إلا أنه على المدى الطويل ظهرت آثاره السلبية على التنوع الأحيائي في عدد من مناطق المملكة، وخاصة المناطق الجنوبية الغربية. وفي ضوء ما أظهرته الدراسات والتقييمات البيئية من آثار سلبية لهذا النبات الغازي وإتاحة الفرصة للنباتات الأصيلة لاستعادة السيادة في المناطق المتضررة. ويتم ذلك وفق أفضل الممارسات العلمية، وبالاستعانة بالمتخصصين والباحثين في مجال النبات والبيئة.
ولأن التوعية ركن أساسي في الجهود المبذولة للحد من انتشار هذا النبات الغازي، فقد عُقدت عدد من الورش والندوات شارك فيها مختصون وباحثون ومواطنون. ولكن يبقى من الأهمية بمكانٍ تكاملُ الجهود الوطنية الشاملة -الأهلية والرسمية (خاصة قطاع الصحة النباتية)- وجهود القطاع الخاص في برامجه المخصصة للمسؤولية المجتمعية، الى جانب القطاع غير الربحي، لتقديم مزيد من الحلول الابتكارية الداعمة لمبادرات المكافحة التي تبدأ بالرصد والتقييم، ثم المكافحة الميكانيكية والكيماوية وصولاً الى إعادة تأهيل المواقع واستزراع النباتات المحلية، بما يساهم في دعم مشروع حصر النباتات الغازية ومكافحتها في المملكة الذي يأتي ضمن مبادرات التحول الوطني للسيطرة على الآفات الزراعية والنباتات الغازية.
وأخيراً، يجب أن ندرك أن المساهمة في حماية الثروة النباتية والتنوع الأحيائي، حتى لو بدت بسيطة، هي خطوة جوهرية في رحلة التنمية الشاملة والمستدامة.
فبين جذور غازية تهدد إرثنا الطبيعي، وكنوز موارده، وإرادة وطنية تستعيد بوعي وإصرار موروثها الأخضر، تُكتب اليوم قصة كفاح عنوانها: "معاً.. من أجل بيئتنا".
*أستاذ مشارك في قسم النبات والأحياء الدقيقة بجامعة الملك سعود، ومستشار في المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية