د. سلطان بن مرزوق الحربي28 فبراير 2026 13:15دقيقتان قراءة
بين كلمتَي التَّعاقد والتَّقاعد مسافةٌ زمنيَّةٌ طويلةٌ، لكنَّها في جوهرها أقصرُ ممَّا نتصوَّر. فهما، على بساطتهما اللُّغويَّة، تختصران رحلة الإنسان الوظيفيَّة من أوَّل توقيع إلى آخر حضور، ومن مقعد يُستقبَل فيه بالحفاوة، إلى المقعد ذاته حين يُغادر بصمتٍ.
الغريب أنَّ الكلمتَين تمارسَانِ، دون اتِّفاق مسبق، رياضة «تبديل المقاعد»؛ فالمكان يبقى ثابتًا، بينما تتبدَّل الوجوه، ويتغيُّر الخطاب، وتختلف النَّظرات. في البداية يُقدَّم الموظَّف بوصفه مشروعَ طموحٍ، ثمَّ يُعاد تقديمه لاحقًا بوصفه صفحةً أُغلقت بهدوء. المقعد هُو هُو، لكنَّ المعنى يتبدَّل.
اللُّغة نفسها تكشف هذا التناقض؛ فـ«التَّعاقد» يحملُ نبرةَ البداية، و«التَّقاعد» يحملُ صمتَ النهاية، ولا يفصل بينهما سوى توقيعٍ أوَّل يفتح الأبواب، وتوقيعٍ أخيرٍ يُغلقها. الأوَّل يوقع بالأمل، والثَّاني يوقع بالتَّجربة، وبينهما سنوات من العمل، والالتزام، والانتظار.
التعاقد يفتح أبواب الطموح، ويُغري بالأحلام، ويَعِد بالاستقرار. أمَّا التَّقاعد، فيغلق أبواب المكاتب، لكنَّه يفتح نوافذَ الذكريات؛ يستدعي ما مضى أكثر ممَّا يبشِّر بما هو آتٍ. هنا تبدأ المفارقة؛ فليس كلُّ مَن تعاقد حقَّق ما حلم به، وليس كلُّ من تقاعد وجد ما وُعِد به.
المؤلم أنَّ كثيرين مرُّوا بين التَّعاقد والتَّقاعد مرور الكرام؛ عملُوا دون أنْ يُلتفت لأثرهم، وغادرُوا دون أن يُحتفى بتجربتهم. لم يُمنحُوا فرصةً حقيقيَّةً في البداية، ولا تقديرًا لائقًا في النهاية. وكأنَّ المسألة لم تكن رحلة إنسان، بل كانت إجراءً إداريًّا يبدأ وينتهي دون ذاكرة مؤسَّسيَّة.
وهنا تبرز مسؤوليَّة الجهات والمؤسَّسات؛ فالتَّعاقد ليس مجرَّد توقيع، بل التزام متبادل، والتَّقاعد ليس مجرَّد نهاية خدمة، بل بداية مرحلة إنسانيَّة جديدة. التَّعامل مع التَّقاعد بوصفه خروجًا نهائيًّا من المشهد، يُفقد المؤسَّسات خبرات تراكميَّة، ويُفقد الأفراد إحساسهم بقيمة ما قدَّموا.
التجربة الوظيفيَّة لا تُقَاس بطول السنوات فقط، بل بما يُترك بعدها. والفرق الحقيقيُّ بين التَّعاقد والتَّقاعد ليس الزَّمن، بل طريقة التعامل مع الإنسان في بدايته ونهايته. فمن أُحسن استقباله، وأُحسن وداعه، خرج من التَّجربة كاملًا، لا منكسِرًا ولا منسِّيًا.
يبقى السؤال الأهم: هل نُحسن إدارة لحظة التَّعاقد كما نُحسن التخطيط للتَّقاعد؟ أم أنَّ المقعد سيظلُّ ثابتًا، والوجوه تتبدَّل، والقصص تُطوَى دون أنْ تُقرَأ؟