كتاب
ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
تاريخ النشر: 21 يوليو 2026 12:29 KSA
جاءت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، وبيان وزارة الخارجية السعودية، وبيان قيادة القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية في توقيت بالغ الحساسية، بعد تصاعد التهديدات الحوثية للملاحة الدولية ومحاولات فرض أمر واقع جديد في مضيق باب المندب. ورغم أن كل بيان تناول القضية من زاوية مختلفة، فإنها التقت جميعًا في رسالة سياسية وقانونية واحدة: لم يعد مقبولًا السماح بتحويل اليمن إلى منصة لتنفيذ الأجندة الإيرانية أو استخدام معاناة اليمنيين غطاءً لتبرير تهديد أمن المنطقة والملاحة الدولية.
أهمية هذه البيانات أنها لم تعتمد على الخطاب السياسي التقليدي، بل استندت إلى وقائع وأرقام وأحداث يمكن التحقق منها. فقد دحضت بصورة منهجية الرواية الحوثية حول ما يسمى “الحصار”، مؤكدة أن موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى بقيت مفتوحة، وأن مئات السفن التجارية دخلتها محملة بالغذاء والوقود والمواد الأساسية، وأن مطار صنعاء ظل يعمل عبر الناقل الوطني قبل أن تتسبب المليشيا نفسها في تعطيل نشاطه واختطاف طائرات الخطوط الجوية اليمنية ورفض المبادرات المتكررة لإعادة تشغيل الرحلات بصورة قانونية وآمنة.
هذا التفنيد يحمل أهمية خاصة لأنه ينقل النقاش من مستوى الدعاية السياسية إلى مستوى الحقائق الموثقة، ويكشف أن الأزمة الإنسانية في اليمن لم تكن نتيجة إغلاق الموانئ أو المطارات، وإنما نتيجة خيارات اتخذتها المليشيا الحوثية نفسها، سواء بمنع تصدير النفط، أو تعطيل مؤسسات الدولة، أو تحويل الموارد العامة إلى خدمة مشروعها العسكري.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في كلمة الرئيس اليمني هو إعادة تعريف أصل الأزمة. فالمشكلة، وفق هذا الطرح، ليست مجرد نزاع سياسي داخلي، وإنما انقلاب على الدولة الوطنية، تبعه ربط القرار اليمني بالمشروع الإيراني، الأمر الذي أدى إلى جر اليمن إلى صراعات إقليمية لا تخدم مصالح شعبه، وأفقده جزءًا كبيرًا من موارده وفرصه الاقتصادية والتنموية.
وتكتسب هذه القراءة أهمية أكبر في ظل الربط الواضح بين إصرار الحوثيين على فتح خطوط جوية مباشرة مع إيران عبر شركات خاضعة لعقوبات دولية، وبين المخاوف من استخدام هذه الرحلات لنقل الخبراء والمعدات العسكرية، بما يمثل خرقًا لقرارات مجلس الأمن ويحول اليمن إلى ساحة متقدمة ضمن الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة.
وفي المقابل، حرص البيان السعودي على إبراز جانب آخر كثيرًا ما يغيب عن النقاش، وهو أن المملكة لم تكتف بدعم الحكومة اليمنية سياسيًا وأمنيًا، بل تحملت أعباء اقتصادية وتنموية كبيرة للمحافظة على الحد الأدنى من استقرار الاقتصاد اليمني، من خلال دعم الميزانية، وتمويل المشتقات النفطية اللازمة لتشغيل محطات الكهرباء، والاستمرار في المشاريع التنموية، وذلك رغم استمرار استهداف الحوثيين لصادرات النفط التي تمثل المصدر الرئيس لإيرادات الدولة اليمنية.
وهنا تتضح المفارقة؛ ففي الوقت الذي كانت الحكومة اليمنية والمملكة تعملان على تخفيف معاناة المواطنين والحفاظ على الخدمات الأساسية، كانت المليشيا تمنع تصدير النفط وتحرم الدولة من أهم مصادر دخلها، ثم تحمل الآخرين مسؤولية التدهور الاقتصادي.
أما بيان قيادة تحالف دعم الشرعية فقد نقل الرسالة إلى مستوى مختلف، هو مستوى الأمن البحري والقانون الدولي. فإعلان بدء تنفيذ إجراءات حماية السفن العابرة في مضيق باب المندب، والتأكيد على أن أي تهديد للملاحة سيُواجه “بكل حزم وقوة”، يعكس انتقال التحالف من مرحلة التحذير إلى مرحلة الردع العملي.
كما أن توصيف استهداف السفن بأنه يدخل ضمن أعمال القرصنة البحرية، وليس مجرد عمل عسكري، يمنح أي إجراءات دفاعية لاحقة أساسًا قانونيًا يستند إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار وقرارات مجلس الأمن المتعلقة بحرية الملاحة.
وتحمل هذه الرسالة بعدًا دوليًا لا يقل أهمية عن بعدها الإقليمي، لأن باب المندب ليس ممرًا يخص اليمن أو دول المنطقة وحدها، بل أحد أهم الشرايين التجارية العالمية، وأي محاولة لتعطيل الملاحة فيه تمثل تهديدًا مباشرًا للاقتصاد الدولي وسلاسل الإمداد العالمية.
ومن اللافت أيضًا أن البيانات الثلاثة حافظت على معادلة متوازنة بين الحزم العسكري والانفتاح السياسي؛ فهي تؤكد حق حماية الملاحة، لكنها في الوقت نفسه تجدد الالتزام بالحل السياسي، ودعم جهود الأمم المتحدة، وخارطة الطريق، وفتح أبواب السلام متى التزمت المليشيا بمرجعياته واحترمت سيادة الدولة اليمنية.
إن الرسالة النهائية التي حملتها هذه البيانات تتجاوز الرد على تهديدات ظرفية. فهي تؤكد أن مستقبل اليمن لا يمكن أن يبنى على منطق المليشيات، ولا على تحويل البلاد إلى ورقة تفاوض في صراعات إقليمية، وأن المجتمع الدولي مطالب اليوم ليس فقط بحماية الملاحة الدولية، وإنما أيضًا بتنفيذ قرارات مجلس الأمن، ومساندة الدولة اليمنية في استعادة مؤسساتها ومواردها، حتى تعود ثروات اليمن إلى اليمنيين، ويصبح السلام مشروع دولة، لا هدنة مؤقتة تفرضها موازين القوة.
@kbatarfi
أهمية هذه البيانات أنها لم تعتمد على الخطاب السياسي التقليدي، بل استندت إلى وقائع وأرقام وأحداث يمكن التحقق منها. فقد دحضت بصورة منهجية الرواية الحوثية حول ما يسمى “الحصار”، مؤكدة أن موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى بقيت مفتوحة، وأن مئات السفن التجارية دخلتها محملة بالغذاء والوقود والمواد الأساسية، وأن مطار صنعاء ظل يعمل عبر الناقل الوطني قبل أن تتسبب المليشيا نفسها في تعطيل نشاطه واختطاف طائرات الخطوط الجوية اليمنية ورفض المبادرات المتكررة لإعادة تشغيل الرحلات بصورة قانونية وآمنة.
هذا التفنيد يحمل أهمية خاصة لأنه ينقل النقاش من مستوى الدعاية السياسية إلى مستوى الحقائق الموثقة، ويكشف أن الأزمة الإنسانية في اليمن لم تكن نتيجة إغلاق الموانئ أو المطارات، وإنما نتيجة خيارات اتخذتها المليشيا الحوثية نفسها، سواء بمنع تصدير النفط، أو تعطيل مؤسسات الدولة، أو تحويل الموارد العامة إلى خدمة مشروعها العسكري.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في كلمة الرئيس اليمني هو إعادة تعريف أصل الأزمة. فالمشكلة، وفق هذا الطرح، ليست مجرد نزاع سياسي داخلي، وإنما انقلاب على الدولة الوطنية، تبعه ربط القرار اليمني بالمشروع الإيراني، الأمر الذي أدى إلى جر اليمن إلى صراعات إقليمية لا تخدم مصالح شعبه، وأفقده جزءًا كبيرًا من موارده وفرصه الاقتصادية والتنموية.
وتكتسب هذه القراءة أهمية أكبر في ظل الربط الواضح بين إصرار الحوثيين على فتح خطوط جوية مباشرة مع إيران عبر شركات خاضعة لعقوبات دولية، وبين المخاوف من استخدام هذه الرحلات لنقل الخبراء والمعدات العسكرية، بما يمثل خرقًا لقرارات مجلس الأمن ويحول اليمن إلى ساحة متقدمة ضمن الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة.
وفي المقابل، حرص البيان السعودي على إبراز جانب آخر كثيرًا ما يغيب عن النقاش، وهو أن المملكة لم تكتف بدعم الحكومة اليمنية سياسيًا وأمنيًا، بل تحملت أعباء اقتصادية وتنموية كبيرة للمحافظة على الحد الأدنى من استقرار الاقتصاد اليمني، من خلال دعم الميزانية، وتمويل المشتقات النفطية اللازمة لتشغيل محطات الكهرباء، والاستمرار في المشاريع التنموية، وذلك رغم استمرار استهداف الحوثيين لصادرات النفط التي تمثل المصدر الرئيس لإيرادات الدولة اليمنية.
وهنا تتضح المفارقة؛ ففي الوقت الذي كانت الحكومة اليمنية والمملكة تعملان على تخفيف معاناة المواطنين والحفاظ على الخدمات الأساسية، كانت المليشيا تمنع تصدير النفط وتحرم الدولة من أهم مصادر دخلها، ثم تحمل الآخرين مسؤولية التدهور الاقتصادي.
أما بيان قيادة تحالف دعم الشرعية فقد نقل الرسالة إلى مستوى مختلف، هو مستوى الأمن البحري والقانون الدولي. فإعلان بدء تنفيذ إجراءات حماية السفن العابرة في مضيق باب المندب، والتأكيد على أن أي تهديد للملاحة سيُواجه “بكل حزم وقوة”، يعكس انتقال التحالف من مرحلة التحذير إلى مرحلة الردع العملي.
كما أن توصيف استهداف السفن بأنه يدخل ضمن أعمال القرصنة البحرية، وليس مجرد عمل عسكري، يمنح أي إجراءات دفاعية لاحقة أساسًا قانونيًا يستند إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار وقرارات مجلس الأمن المتعلقة بحرية الملاحة.
وتحمل هذه الرسالة بعدًا دوليًا لا يقل أهمية عن بعدها الإقليمي، لأن باب المندب ليس ممرًا يخص اليمن أو دول المنطقة وحدها، بل أحد أهم الشرايين التجارية العالمية، وأي محاولة لتعطيل الملاحة فيه تمثل تهديدًا مباشرًا للاقتصاد الدولي وسلاسل الإمداد العالمية.
ومن اللافت أيضًا أن البيانات الثلاثة حافظت على معادلة متوازنة بين الحزم العسكري والانفتاح السياسي؛ فهي تؤكد حق حماية الملاحة، لكنها في الوقت نفسه تجدد الالتزام بالحل السياسي، ودعم جهود الأمم المتحدة، وخارطة الطريق، وفتح أبواب السلام متى التزمت المليشيا بمرجعياته واحترمت سيادة الدولة اليمنية.
إن الرسالة النهائية التي حملتها هذه البيانات تتجاوز الرد على تهديدات ظرفية. فهي تؤكد أن مستقبل اليمن لا يمكن أن يبنى على منطق المليشيات، ولا على تحويل البلاد إلى ورقة تفاوض في صراعات إقليمية، وأن المجتمع الدولي مطالب اليوم ليس فقط بحماية الملاحة الدولية، وإنما أيضًا بتنفيذ قرارات مجلس الأمن، ومساندة الدولة اليمنية في استعادة مؤسساتها ومواردها، حتى تعود ثروات اليمن إلى اليمنيين، ويصبح السلام مشروع دولة، لا هدنة مؤقتة تفرضها موازين القوة.
@kbatarfi