كتاب

ما تعلمته في مجالس الأمراء

في عام 1984، وبعد تخرجي من الجامعة، توليت مسؤولية تحرير مجلة «المجلة» في السعودية، وهي مجلة عربية دولية كانت تصدر من لندن عن الشركة السعودية للأبحاث والتسويق (الشركة السعودية للإعلام والأبحاث حاليًا). وقبلها كنت قد عملت في عدد من الصحف المحلية، بدأت بـ«البلاد» مع الدكتور هاشم عبده هاشم، ثم «الرياض» مع الأستاذ تركي السديري، وانتهيت إلى مجلة «اقرأ» مع الدكتور عبدالله مناع.
وكان يشغلني سؤال واحد: ما الفرق بين الكتابة للقارئ المحلي، والكتابة للقارئ العربي؟

لذلك طلبت من الناشرين هشام ومحمد علي حافظ، رحمهما الله، أن يرتبا لي لقاءً مع أمير منطقة الرياض، الأمير سلمان بن عبدالعزيز، لأستفيد من توجيهه في بداية عملي الجديد، لما عُرف عنه من اهتمام بالإعلام والثقافة، وقربه من الوسط الصحفي. فتحمسا للفكرة، ورتبا اللقاء.
زرت أبا فهد في مكتبه القديم بإمارة الرياض، في صباح مشرق لا يزال حاضرًا في ذاكرتي. استقبلني بابتسامته المعهودة، ورحابة صدره، ولطفه الذي عرفه كل من اقترب منه.

قلت له: “انتقلت من الصحافة المحلية إلى الصحافة العربية الدولية، فما الذي ينبغي أن يتغير في أسلوبي؟ وبماذا تنصحني؟”
ابتسم، ثم قال بصوت المعلم الواثق: “الفرق كبير يا خالد. عندما كنت تكتب في الصحافة المحلية، كانت رسالتك موجهة إلى المواطن السعودي. فإذا كتبت عن مشروع تنموي، ركزت على ما يحققه للمواطن من وظائف وخدمات وتنمية للاقتصاد المحلي.
أما اليوم فأنت تخاطب قارئًا عربيًا قد لا تعنيه هذه التفاصيل بالقدر نفسه. هنا عليك أن تقدم له الحقائق والأرقام، وأن ترسم له الصورة كما هي، دون مبالغة أو ترويج أو تعليق. دعه يرى بنفسه، ويكوّن رأيه بنفسه.”
ثم ضرب مثالًا بقي راسخًا في ذهني. قال: “لدينا في الخرج قرية لإنتاج الطاقة الشمسية. لو زرتها، وقدمت للقارئ وصفًا دقيقًا لما رأيت، دون أن تمدح المشروع أو تبالغ في أهميته، فسيصل هو بنفسه إلى النتيجة. سيقول إن هذه البلاد وصلت إلى مستوى علمي وتقني متقدم، وسيتمنى أن تحذو بقية الدول العربية حذوها. لا يحتاج الأمر إلى مديح... فالحقائق تتحدث عن نفسها.”
ثم انتقل إلى مثال آخر. قال: “انظر إلى أمراء المناطق. طوال أيام الأسبوع يفتحون مجالسهم للناس، فيأتي الكبير والصغير، والمسؤول والمواطن، ليعرض كل منهم رأيه أو ملاحظته أو شكواه مباشرة. عندما تنقل هذه الصورة كما هي، سيدرك من ينادي بالديمقراطية أن في بلادنا صورة من أعظم صورها، وهي الصلة المباشرة بين الراعي والرعية. وسيقارن بنفسه بين هذا الواقع، وبين مجتمعات قد لا يستطيع فيها المواطن الوصول إلى مسؤول في بلدية صغيرة أو دائرة حكومية. لا تعلق... ولا تمجد... فقط انقل الحقيقة، فهي أبلغ من أي تعليق.”
خرجت من ذلك اللقاء وأنا أظن أنني تلقيت نصيحة في الصحافة، لكنني أدركت مع مرور السنين أنني تلقيت أيضًا درسًا في الإدارة، وفي كيفية مخاطبة العالم بلغة الوقائع لا بلغة الشعارات.
وبعد عودتي إلى جدة، أصبحت أحرص، بين حين وآخر، على حضور مجالس أمراء منطقة مكة المكرمة؛ الأمير ماجد بن عبدالعزيز، ثم الأمير عبدالمجيد بن عبدالعزيز، ثم الأمير خالد الفيصل. وكان كل واحد منهم يفتح مجلسه للمواطنين، فيلتقي فيه أهل الفكر والاقتصاد والإعلام، إلى جانب أصحاب الحاجات والاقتراحات والشكاوى.
ولعل أكثر ما شدني كان التنظيم الذي اتبعه الأمير خالد الفيصل، وهو نهج بدأه منذ إمارته لمنطقة عسير واستمر عليه بعد انتقاله إلى إمارة منطقة مكة المكرمة.
فإلى جانب مجلسه المفتوح صباح كل يوم عمل في مقر الإمارة، خصص في داره لقاءً مختلفًا لكل يوم من أيام الأسبوع، يعقبه العشاء. أما يوم الجمعة، فكان مجلسه مفتوحًا للجميع بعد الصلاة مباشرة، يعقبه الغداء.
وكان مساء الأحد مخصصًا للمثقفين والإعلاميين، بينما خصص أمسيات أخرى لمسؤولي الجهات الحكومية، ورجال الأعمال، وشيوخ القبائل، والشباب وغيرهم. وكانت الدعوات، أو الاعتذار عن انعقاد المجلس بسبب سفر الأمير أو ارتباطه، تصلنا عبر رسائل الهاتف.
وكان الحوار في تلك المجالس صريحًا ومفتوحًا، يديره الأمير بنفسه، ويُدوَّن للاستفادة منه لاحقًا، لكن مع اتفاق واضح بين الجميع على ألا يُنقل ما يدور خارج المجلس.
وقد تعلمت هذا الدرس بطريقة لن أنساها.
ففي إحدى المرات أجريت لقاءً إذاعيًا بعد انتهاء المجلس وقبل صلاة العشاء، وأشرت فيه إلى أن موضوعًا معينًا نوقش في مجلس أمير المنطقة، ولخصت وجهة نظره فيه.
وفي الأسبوع التالي، وبينما كنت أسلم عليه مودعًا، شد على يدي مبتسمًا، وقال بهدوء: “أشكرك على ما نقلته عني، فهذا بالفعل رأيي. لكننا اتفقنا على ألا يُنقل ما يدور في هذه المجالس، حتى يتحدث الناس بحرية ويعرضوا آراءهم دون تحفظ. لذلك أرجو أن تعدني بألا تنقل شيئًا مما يقال هنا مرة أخرى... فالمجالس أمانات”.
كانت كلمات قليلة، لكنها بقيت ترن في أذني حتى اليوم.
ورغم أنني أمضيت خمس سنوات في الولايات المتحدة، بين عامي 1994 و1999، للدراسة في جامعة أوريغون، بكل ما عُرفت به من مؤسسات ديمقراطية، فإنني لم تتح لي فرصة لقاء مسؤول رفيع على النحو الذي كان متاحًا في مجالس أمراء المناطق. ولم ألتق حتى بمدير الجامعة، على الرغم من أنني كنت الرئيس المنتخب لاتحاد طلاب كلية الصحافة والاتصال، وكذلك لاتحاد الطلبة الخليجيين في مدينة يوجين بولاية أوريغون.
أما هنا، في الرياض، وجدة، ومكة المكرمة، والمدينة المنورة، وأبها، وجازان، وتبوك، وبريدة، وغيرها من مناطق المملكة، فقد أتيح لي أن أحضر مجالس الأمراء وكبار المسؤولين، فأعرض وجهة نظري، وأستمع إلى آراء الآخرين، وأستفيد من خبراتهم وتجاربهم.
واليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود، ما زلت أستحضر كلمات الملك سلمان في ذلك اللقاء الأول. فقد كانت أكثر من نصيحة صحفية؛ كانت منهجًا في الكتابة، وربما في الحياة أيضًا.
دع الحقائق تتحدث عن نفسها. ففي كثير من الأحيان، تكون الحقيقة أبلغ من أي تعليق، وأقوى من أي خطاب، وأكثر قدرة على إقناع العقول من كل أساليب المبالغة والتمجيد.
@kbatafi

أخبار ذات صلة

التعليم السعودي يضع الإنسان أولاً
عبدالعزيز بن سعد.. أمير القيادة الملهمة
استضافة نبيٍّ وجهاد في إسطنبول!!
المدرعمون بجهل
;
ثلاث صور تتجاوز حدود المصادفة.. جمعها أكبر مسرح
استثمر في نفسك أولًا
كيف تتعامل المدن مع تضاريسها؟
استراحة الترطيب
;
الخصوبة: انخفاضها ووظائف مراكزها
كيف تبيع سيارتك للسياحة؟!
لكل وجه وقامة «حكاية»
لماذا يسهل خداعنا؟!
;
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
هل ما زلنا نبيع الصورة أم نبني الثقة؟
‏إلى معالي أمين جدة.. مع التحية
الأثر الحقيقي للجامعة
هل ما زلنا نبحث عن انتباه العالم؟