منتدى

في أفياء تراث العربية (ما جاء في شأن اللسان، وأثره)

في أفياء تراث العربية (ما جاء في شأن اللسان، وأثره)
تراث اللُّغة العربيَّة الأدبي يُثْرَى ويُغْني ـ ولا ريبَ ـ مَنْ يَتفيَّؤ ظلاله، ويدفع عنه كثيرًا.
ويسرُّنا أنْ نستحضرَ منه مجموعةً من النصوص الشعريَّة، تتناول إحدى القضايا المُعاصِرة تناولًا تستدعيه حاجةُ عالَمِنا ومجتمعاتِنا الشَّديدة لِتلقِّي تلك النُّصوص الحافلة، اِستمدادًا يُغْرِي ويُثْري، والعملُ به يَملأ الحياة رحمةً وطِيبًا، ويدفعُ عنها كثيرًا من أسباب المعاناة والشقاء التي باتتْ تَتَسَلَّلُ إلى كثيرٍ من جوانب حياة الإنسان.

والقضيَّة التي تتناولها النُّصوص التي نستحضرُها، هي قضيّة 'صَوْن اللِّسان' والتوقُّفِ عن إطلاقِ العَنان لِه؛ إذْ ذلك الإطلاق واقعٌ بكثرةٍ صادِمةٍ مخيفةٍ في وقتنا الحاضر، كثرة بلغتْ في مواقع التَّواصل الاجتماعيِّ وغيرها، حَدًّا لا مزيدَ عليه؛ حيثُ الخوضُ في كلِّ أمرٍ وشأنٍ، بل حتَّى إطلاق الشَّائعات، والوقوع في أعراض النَّاس، والإزراء بهم وازدرائهم، لمجرَّد الاختلاف في الرأي معهم.
والنَّاظر في التُّراث الأدبيِّ للعربيَّة، يَجِدُ كمًّا هائلًا من نصوص التَّحذير من ذلك الفعل (إطلاق العَنَان للِّسان)، وما يؤدِّي إليه.

وواقعنا المَعيش بحاجةٍ ماسَّةٍ لتلقِّيها وبَثَّها بين النَّاس؛ توصيَةً وتذكيرًا. وفيما يلي مجموعة مختارة من تلك النُّصوص. قال الشَّاعرُ:
وَزِنِ الكَلامَ إِذَا نَطَقتَ ولا تَكُنْ
ثَرْثارَةً في كلِّ نادٍ تَخْطُبُ
واحفظْ لِسانَكَ واحْتَرِزْ مِنْ لَفْظِهِ
فالمَرْءُ يَسْلَمُ باللِّسانِ ويَعْطُبُ
وصيَّةُ نَهْيٍ عن أنْ يكون الإنسان ثَرثارًا، ففي الثرثرة وعدم تفكير الإنسان فيما سيقوله، جَرٌّ إلى الوقوع فيما لا تُحمدُ عُقباه. ووصيةُ الشَّاعر تلك، جاءت مُتَمَثِّلةً بالآية الكريمة الدَّاعية إلى أنْ يتَّقي المؤمنُ ربَِّه، ومن التقوى أنْ يحرصَ على سلامة أقواله، وأنْ لا يَتلفَّظ إلَّا بالسديد منها: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، ونتائج عمله بذلك الأمر الإلهيِّ وتمَسُكُه به طاعةً للهِ ورسولهِ، نتائج عظيمة: أنْ يصلح الله له أعماله، ويغفر له ذنوبه، وأنْ يجعله من الفائزين الفوز العظيم. وفي مقابل ذلك التَّبشير للمتَّقين القائلين القول السديد، جاء التحذير الشديدُ للمُطلقينَ العَنَانَ لألسنتهم تخوضُ خوضًا لا ضابطَ له ولا رادع: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾: كلُّ ما نتلفظ به مسجَّل علينا، وسنجده هناك في صحيفة أعمالنا. ذلك ما أفاده الأسلوبُ الذي بُنيت عليه الآية الكريمة، وهو العموم، والحصر المستفادان من (ما وإلَّا).
والثرثرة غير المنضبطة (وكلُّ ثرثرةٍ لا بُدَّ أنْ تكون كذلك) من علامات تدنِّي مستوى التفكير. وقد جاء في أشعارهم العرب ما يُفيد أنَّ كلام الإنسان ذو ارتباط بعقلهِ ومستوى تفكيرِه. ذلك ما يخبر به الشَّاعرُ الذي يرى وجودَ علاقة تَلازُمِيَّة بينَ عقل الإنسانِ، وما يَنْطِقُّ به:
وَزِنِ الكَلامَ اِذا نَطَقتَ فَإِنَّما
يُبْدِي عُـقُولَ ذَوِي العُقولِ المَنْطِقُ
المُراد بـ'المَنْطِق' في البيت: الكلام، فالمَرءُ مدعوٌّ لأنْ يُفَكِّر فيما سيقول قبل أنْ يقوله. وفي المعنى نفسه تقريبًا، جاءَ قول الشَّاعر:
وَفِي الصَّمْتِ سِتْرٌ لِلْعَيِيِّ، وإِنَّمَا
صَحِيفَةُ لُبِّ المَرْءِ أنْ يَتَكَلَّما
'العِيُّ': عَجْزُ المَرْءِ عن بيان مُراده، وإبلاغ حُجَّته، ومَنْ كان كذلك يُسمَّى' عَييًّا'. والِعِيُّ يكون ناتِجًا إمَّا عن جهلٍ، أو خللٍ في المنطق، أو في طرائق التفكير، أوْعن فقرٍ وافتقادٍ للمهارات اللُّغويَّة. وافتقاد كثيرٍ من تلك المهارات، أصبحَ شائعًا جدًّا في زمَننا حتى صارَ مِنْ سِماتِ الكَثْرَة الكاثِرة من أهله، ومن أسبابه اعتياد الكتابة بالعاميَّات، وقراءة ما يُكتَب بها. و'اللُّبُّ': العَقل، وهو مِنْ كلِّ شيءٍ: خالِصُهُ وخِيارُهُ، ونَفْسُهُ وحقيقتُه. واللَّبيبُ: ذو اللُّب؛ فالشَّاعرُ يذهب إلى أنَّ الكلام هو الكاشفُ عن المستوى العقليِّ للمتكلم.
ومِمَّا يَستدعي التَّعجُّب -عند أحد الشعراء- مسارعةُ مَنْ لا يمتلكُ الأدواتِ -ومنها ما ذكرناه آنفًا- مسارعته إلى الخوض والإدلاء، وتَوَقُّفُ المُمْتلكِ لها القادرِ عليها عن ذلك، يقول:
عَجِبْتُ لإِدْلالِ العَيِيِّ بِنَفْـسِهِ
وصَمْتِ الذي قد كانَ بالقَوْلِ أعْـلَمَا
ومَا أرَى ذلكَ الصَّمتَ مِنْ المُمْتَلِكِ للقدرات والأدوات، إلّا تَرَفُّعًا وامتناعًا عن أنْ يضع نفسه، وذاك العَيِي في موضعٍ واحدٍ.
والصَّمْتُ، حالة كونِهِ اختيارًا لا اضطرارًا ناشئٌ عن عِيٍّ، محمودٌ؛ إذْ هو من وسائل السّلامة:
إذا لمْ يكنْ صَمْتُ الفَتَى عن ندامةٍ
وعِي ، فإنَّ الصَّمتَ أَوْلى وأسْلَمُ
في الشطر الأول من البيت، حَثٌّ ضِمْنيٌّ على أنْ يشتغل المرءُ بما يُنمَّي قُدراته في مجال القول، بحيثُ يُصبحُ قادرًا على الإدلاء الصَّائب برأيه، ومنْ ذلك تنميته لِمهارات الكتابة والقراءة النَّاقدة ومهارات التفكير لديه.
والصَّمتُ، تَرَفُّعًا، ممدوحٌ محمودٌ؛ لِنتائجه المُعْجِبَة، والأمور تُقاسُ بنتائجها، قال الشَّاعرُ:
والصَّمْتُ عنْ جاهلٍ أوْ أحَمْقٍ شَرَفٌ
وفيه أيضًا لِصَوْنِ العِرْضِ إصْلَاحُ
وبعد، فهذا، غيضٌ من فيض، فمازالَ في جُعبة تُّراث العربيَّة الأدبيِّ، شعره ونثره، الكثيرُ الكثيرُ من الوصايا بشأن تلك القضيَّة؛ مع تناولها من جوانب أخرى، وفي كلِّ ذلك دلالةٌ على أنَّه كان لها عند القوم شأنٌ بالغ الخطورة. وخطورته على الفرد مُطْلِقِ الكلامِ على عواهنه، تأتي في الدنيا، استهجانًا من ذوي العقول، وتأتي في الآخرة إثْمًا كبيرًا، ثُمَّ مُحاسبة تُفضِي إلى وقوعه في شديد العذاب يومَ الحِساب، وخطورته على المجتمع إساءة إلى النَّاس، ومعاناة وتَفْرِقة وفَصْمًا للعُرَى والوَشائج...الخ
وختامًا أقولُ: المطلوبُ من جميع المهتمِّين بأمر التَّوعية التي ضعُفَ حضورها، الحرصُ على إعادة ذلك الحضور قويَّا مؤثِّرًا بكلِّ الوسائل، ومنها استحضار هذا الزاد الأدبي الجميل المؤثِّر.

أخبار ذات صلة

جدة على موعد مع مرحلة تنموية جديدة
جدة على موعد مع مرحلة تنموية جديدة
أّسس مهمَّة في تربية الأبناء
أّسس مهمَّة في تربية الأبناء
المملكة ترسم ملامح اقتصاد المنطقة.. وسوريا تفتح أبواب المستقبل
المملكة ترسم ملامح اقتصاد المنطقة.. وسوريا تفتح أبواب المستقبل
الإجازة الصيفية.. موسم الذكريات أم موسم استنزاف الجيوب؟
الإجازة الصيفية.. موسم الذكريات أم موسم استنزاف الجيوب؟
;
عندما يتحول المؤتمر الصحفي إلى منصة للتلقين!
عندما يتحول المؤتمر الصحفي إلى منصة للتلقين!
لماذا يبقى السعودي هادئًا في زمن العواصف؟
لماذا يبقى السعودي هادئًا في زمن العواصف؟
هل تبدأ رسالة المحميات خارج حدودها؟
هل تبدأ رسالة المحميات خارج حدودها؟
لماذا (التقصُّد) بلبنان؟
لماذا (التقصُّد) بلبنان؟
;
ما بعد الصافرة الأخيرة
ما بعد الصافرة الأخيرة
الشريك الأدبي.. 5 مواسم أعادت الأدب إلى قلب المجتمع
الشريك الأدبي.. 5 مواسم أعادت الأدب إلى قلب المجتمع
مناسبات الأفراح.. وواقعية التكاليف
مناسبات الأفراح.. وواقعية التكاليف
سوق أعمال سعودي آمن مرن
سوق أعمال سعودي آمن مرن
;
الحياة جميلة
الحياء.. ضعف أم قوة؟!
الحياء.. ضعف أم قوة؟!
ما المعنى الذي تبيعه منظمتك؟
ما المعنى الذي تبيعه منظمتك؟
متى نصمت عن ثرثرة الكلام؟
متى نصمت عن ثرثرة الكلام؟