كتاب

الصين تكسر القاعدة الجامعية

تكمن أهميَّة صعود الجامعات الصينيَّة في الطَّريق الذي سلكته للوصول إلى المراكز المتقدِّمة عالميًّا. فقد اعتدنا النَّظر إلى الجامعات الأمريكيَّة والبريطانيَّة بوصفها النموذج الطبيعي للجامعة العالميَّة: استقلال واسع، ومجالس قويَّة، وتقاليد أكاديميَّة تكوَّنت عبر زمنٍ طويلٍ. الصين اختارت طريقًا يناسب نظامها وأهدافها، من دون أنْ تنسخ غيرها حرفيًّا.
جامعات مثل تسينغهوا، وبكينن وفودانن وشانغهاي جياو تونغ، أصبحت اليوم في مواقع متقدِّمة عالميًّا، وخصوصًا في العلوم والهندسة والتقنية. وجاء هذا التقدُّم من عمل بدأ منذ عقود، ورافق النهضة الصناعيَّة الصينيَّة خطوةً بخطوةٍ، حتى غدت الجامعةُ جزءًا من المشروع الذي غيَّر اقتصاد البلاد ومكانتها. كانت المختبراتُ والتمويلُ عناصرَ مهمَّة، لكن الأهم هو وضوح الغاية، واستمرار العمل. وهذا جانب لا يظهر في جداول التَّصنيف، مع أنَّه يفسِّر كثيرًا ممَّا حقَّقته الجامعاتُ الصينيَّة الكُبرى خلال وقت قصير نسبيًّا.

طريقة إدارة هذه الجامعات مختلفة أيضًا. في جامعات غربيةٍ كثيرةٍ تتمتَّع المجالسُ والإداراتُ الأكاديميَّةُ بمساحةٍ واسعةٍ في تحديد التوجه والأولويَّات. وفي الصين تشارك الدولةُ، وقيادةُ الحزب في رسم الاتِّجاه العام، وتعمل الجامعةُ ضمن أهداف وطنيَّة واضحة. وداخل هذا الإطار، تملك الجامعاتُ الكُبرى مساحةً لإدارة البحث، وجذب العلماء، وبناء الشراكات، والمنافسة عالميَّا. إنَّها صيغةٌ صينيَّةٌ تجمع التَّوجيه المركزيَّ مع مرونةٍ عمليَّةٍ داخل الجامعة.
اختزال التجربة في المركزيَّة وحدها تفسير قاصر. دول عديدة تُدار مركزيًّا، ولم تصنع جامعات تنافس على القمَّة. جمعت الصين بين التَّخطيط الطَّويل، والتَّمويل المستمر، واختيار الكفاءات، وربط البحث بالصناعة، ومتابعة النتائج بجديَّة. وهكذا تحوَّلت المعرفة إلى تقنية ومنتج وقيمة اقتصاديَّة، وأصبحت الجامعة شريكًا يوميًّا في التَّنمية.

وهذا يفسر اختلافها عن روسيا، التي امتلكت إرثًا علميًا كبيرًا، لكنَّها لم تنجح بالقدر نفسه في جعل الجامعة حلقةً يوميَّةً بين المختبر والمصنع والسوق، أو في تحويل قوَّتها العلميَّة إلى صعود جامعيٍّ مماثلٍ.
يحمل النموذجُ الصينيٌّ قيودًا واضحةً، خاصَّةً في الحريَّة الأكاديميَّة، واستقلال القرار؛ ممَّا يمنع اعتباره وصفةً جاهزةً. فالجامعاتُ الغربيَّةُ ما زالت أقوى في مجالات كثيرة، وتملك خبرةً وشبكاتٍ عالميَّةً يصعب بناؤها سريعًا. ومع ذلك، كسرت الصينُ الاعتقاد بوجود طريقٍ واحدٍ إلى الجامعة العالميَّة.
من يريد جامعةً عالميَّةً لن يصنعها باستيراد هيكل إداريٍّ، أو تغيير أسماء المجالس. إنَّها تكبر عندما تعرف لماذا وُجدت؟ وما الذي ينتظره منها مجتمعُها؟ ثم تجد المال والكفاءة والوقت لتنجزه. الصينُ صاغت جامعةً تخدم مشروعها، وكانت النتيجة أنَّ العالم اضطر إلى الاعتراف بها.

أخبار ذات صلة

الأفضل... لم يصل بعد!
المرور.. من الجهة الأخرى للطريق
أعيدوا كتابة تاريخ الجزيرة العربية المسلوب (1)
من جامعة الملك عبدالعزيز إلى هارفارد
;
كرة القدم وفرحة شعب
حين تحرس الدول طرق الحضارة
طريق الأمم إلى الريادة
هل تغيّرت الثقافة.. أم تبدّلت أدواتها؟!
;
فَاتخِذُوهُ عَدُوًّا
حتى لا تفقد كلمة «رمز».. قيمتها
إلى أبطال مستشفى شرق جدة
مدينة القصب.. حين يكتب الملح حكاية المكان
;
الحب الأحادي.. وفاء أم مذلة؟
لا تفتح خريطة غيرك
السعودية.. تصنع الاستقرار وتحمي المصالح
الرياض.. من اقتصاد النفط إلى اقتصاد العقول