كتاب

فلسفة الصداقة.. هل تنتهي الصداقة أم نكتشف حقيقتها؟

د. أحمد حسن الخضير 19 سبتمبر 2026 23:56 3 دقائق قراءة
لا أتذكَّرُ يومًا قال فيه أحدُنا للآخر: لم نعد صديقَين. لا تُوجد دائمًا مشاجرة، ولا كلمة قاسية، ولا باب يُغلق في وجه أحدٍ. أحيانًا يحدث الأمرُ بهدوءٍ شديدٍ. يقلُّ الاتِّصالُ، تتباعدُ اللقاءاتِ، تصبح الأخبارُ أقلَّ، ثمَّ تمرُّ فترة طويلة، ونكتشف أنَّنا لم نعد نعرف عن بعضنا شيئًا.
والغريب أنَّنا لا نشعرُ في البداية بأنَّ شيئًا انتهى. نواصل حياتنا، ثمَّ تأتي لحظة عابرة نتذكَّر فيها شخصًا كان قريبًا منَّا، فنقول في داخلنا: أين ذهب؟ ربما ذهب إلى مكانٍ آخرَ من الحياة.
نحن نخطئُ أحيانًا عندما نعتقدُ أنَّ الصداقة الحقيقيَّة هي التي تستمر إلى الأبد. ربما لأنَّنا نخلط بين الصداقة وبين الوعد. لكن الإنسان لا يستطيعُ أنْ يَعِد بأنْ يبقى كما هو، ولا يستطيع أنْ يضمن أنْ تظل الحياة التي تجمعه بإنسان آخر على حالها.
بعضُ الأشخاص يأتُون إلى حياتنا في وقتٍ محدَّدٍ. يشاركُوننا مرحلةً من العمر، ربَّما الدِّراسة، أو العمل، أو السَّفر، أو سنوات الشَّباب. نضحكُ معهم، نتبادلُ الأسرار، نختلفُ ثمَّ نتصالحُ، ونظنُّ أنَّنا سنبقى معًا دائمًا. ثمَّ تتغيَّر الظروفُ، ويمضي كلُّ واحدٍ في طريق. ولا أظنُّ أنَّ علينا أنْ نعتبر ذلك خيانةً.
هناك أشخاصٌ يرافقوننا في مرحلةٍ واحدةٍ، وهناك من يعبرُونَ معنا أكثر من مرحلةٍ. هؤلاء نادرُونَ. يعرفوننا ونحنُ نتغيَّر، ويرونَ منَّا ما لا يراه الآخرُونَ. يعرفُونَ الإنسان الذي كنَّا عليه، ثمَّ يتعرَّفُونَ إلى الإنسان الذي أصبحنَاه. وربَّما تكون قيمة الصَّديق -أحيانًا- في أنَّه عرفنا في وقت لم نكن فيه نعرف أنفسنا جيدًا.
لهذا لا أعتقدُ أنَّ عدد السنوات هو المقياس الصحيح للصداقة. قد أعرفُ شخصًا خمسين عامًا، ولا أشعرُ في النِّهاية أنَّه كان قريبًا منِّي كما ينبغي. وقد أعرفُ آخرَ سنواتٍ قليلةً، لكنَّه يتركُ في حياتي شيئًا يبقى. المهم ليس كم بقي، وإنَّما ماذا كان بيننا، وهو موجود.
وهناك شيء آخر أكثر إيلامًا: أنْ نكتشف أنَّ بعض العلاقات التي حسبناها صداقةً لم تكن كذلك من البداية. ربَّما كانت مصلحةً مشتركةً، أو حاجةً متبادلةً، أو مجرَّد وحدةٍ جعلت كلَّ واحد منَّا يبحث عن الآخر. وتظهر الحقيقة عندما تتغيَّر الظروف.
عندما لا تعود قادرًا على تقديم شيءٍ، أو عندما تختلف معه في رأيٍ، أو عندما تتغيَّر مكانتكَ، أو عندما تحتاجُ أنت إليه بدلَ أنْ يحتاج هو إليكَ. عندها تعرفُ، من غير كثيرٍ من الكلام، مَن كان صديقًا، ومَن كان مجرَّد رفيقِ مرحلةٍ. لكنْ حتى هنا، لا ينبغي أنْ نحوِّل كل نهاية إلى خصومةٍ.
فبعضُ الصداقاتِ تموتُ؛ لأنَّ أصحابها تغيَّرُوا، لا لأنَّ أحدهما خانَ الآخرَ. وربَّما يكون من الظُّلم أنْ نطلبَ من علاقة قديمة أنْ تبقى حيَّةً بالقوَّة، فقط؛ لأنَّنا نخافُ الاعتراف بأنَّها لم تعد كما كانت. الحياةُ لا تعيدُ لنا الأشخاص أنفسهم، ولا تعيدُ لنا نحن أنفسنا.
وأحيانًا، حين نتذكَّر صديقًا قديمًا لم نعدْ نرَاه، لا نحتاجُ إلى أنْ نسأل: لماذا انتهت صداقتُنا؟ يكفي أنْ نتذكَّر ما كان جميلًا فيها. فقد كان هناك وقتٌ جمعنَا. كان هناك حديثٌ طويلٌ، وضحكةٌ، وربَّما موقفٌ وقفَ فيه أحدُنا إلى جانب الآخر حين احتاج إليه. وما كان صادقًا في ذلك الوقت لا يصبحُ كاذبًا لمجرَّد أنَّ الزَّمن مضى.
الصداقةُ ليست عقدًا أبديًّا، لكنَّها أيضًا ليست علاقةً عابرةً بلا معنى. إنَّها شيءٌ يحدثُ بين شخصين، ويحتاجُ إلى الصدقِ ما دام موجودًا. قد لا يبقى الصديقُ إلى نهاية الطريق، وهذا ليس دائمًا ذنبه، ولا ذنبنا. المهم أنْ يكون قد سار معنا يومًا بصدقٍ. وأنْ نكون، نحنُ أيضًا، قد فعلنا الشيء نفسه. فربَّما لا يكون الصديق الحقيقي هو مَن يبقى معنا إلى النهاية، بل مَن كان صديقًا حقيقيًّا طوال الوقت الذي كان فيه إلى جوارنا.

أخبار ذات صلة