إنَّ الاحتفاء بذكرى توحيد وطننا الغالي، على يد الموحِّد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل آل سعود -طيَّب اللهُ ثرَاهُ- مدعاةٌ إلى أنْ نتذكَّر ما كنَّا عليه من ضعفٍ، وفرقةٍ، وتناحرٍ، وشتاتٍ، وما أصبحنا عليه اليوم من قوَّةٍ، وبناءٍ، وحضارةٍ، ودعةٍ، وعطاءٍ، وأمنٍ، وأمانٍ، واستقرارٍ، في ظلِّ حكومةٍ رشيدةٍ بقيادة خادمِ الحَرمَينِ الشَّريفَينِ الملكِ سلمان بن عبدالعزيز، ووليِّ عهدِهِ صاحبِ السموِّ الملكيِّ الأميرِ محمد بن سلمان -حفظهُمَا اللهُ-. قلتُ -سابقًا- وأقولُ -اليوم، وغدًا-: إنَّ بالرِّجال يُدوَّن تأريخ الأُمم والحضارات. وبالتَّأريخ نفسُه تُكتَب سِير العُظماء. فلا عجبَ حينما نقولُ: إنَّ سيرةَ الملك عبدالعزيز من أعظمِ سِير العُظماءِ، الذين بهم يُدوَّن التَّأريخ الحديث. كان للملك الموحِّد «حيويَّة» من المجد التَّأريخيِّ في واقع الحضارة الحديثة، حينما أرسى قواعدَ هذا الوطن العظيم، وهي «حيويَّة» متَّصلة، تقومُ مقامَ الآصرةِ الممتدَّة، حينما يكون مبعثها تلك «القوَّة» التي يمتلكُها «عبدالعزيز» بعبقريَّته، وتفكيره، وحكمته، ومَلَكاته، وشخصيَّته؛ فضلًا عن بِنيته التي تؤهِّله للقيادة، حتَّى وصل بجماع كلِّ ذلك إلى غاياتهِ، بخطى مُسدَّدة، فقد حفظ للوطن قوَّةً من قوى الوحدةِ. وحفظ للوطن قوَّةً من قوى التَّمكينِ. وحفظ للوطن قوَّةً من قوى التَّوطيدِ. وحفظ لهذا الوطن «كيانًا» متماسكَ البنيان، موثوقَ العُرى، يمتدُّ أثرُه إلى يومنا هذا، ولو لم تكنْ «شخصيَّة» الملك عبدالعزيز بتلك «الحيويَّة»، وتلك «القوَّة»؛ ما كان لهذا الكيان أنْ يتوحَّد ويتوطَّد، وأنْ يسيرَ بهذه الحيويَّة والقوَّة، فغدا الوطنُ آيةً من آيات الوحدةِ، والنموِّ، والتقدُّمِ، والازدهارِ. فليس أيسرَ للمؤرِّخ أنْ يقرأ سِيرة الملكِ عبدالعزيز من خلال آيات هذا الوطن، ويتأمَّل -في الآن- ما كان عليه، وما آل إليه، فتلك -وأيم الله- لهي أصدقُ من كلِّ الأسفار المكتوبة، والنَّياشين المسطورة، فهي التَّأريخُ، وهي الشَّاهدُ، وهي الواقعُ، كما أنَّها، هي، عينُ «القوَّةِ»، ومخبرُ «الحيويَّةِ»، ومكتنزُ «الإرادةِ» نحو الغايات المرجوَّة، وتلك آيةٌ من آيات العبقريَّة في أجلى صورها ومعانيها ودلالاتها. فإذا لم يكنْ للملكِ عبدالعزيز -مع وفرةِ مآثرهِ وتعدُّدهَا- إلَّا ما نحنُ عليه اليوم من سطور التَّأريخ الحديث والمعاصر، حينما يُشار إلى العُظماء في مقام الفخر والافتخار، فهو جديرٌ بالتَّعظيم حال النَّظر إلى بداياتهِ وغاياتهِ ونتائجهِ.ِ وهذه البداياتُ وما تصحبُها من الغايات والنتائج مدعاةٌ إلى التأمُّل في واقعها الآن: سياسيًّا، واقتصاديًّا، واجتماعيًّا، وثقافيًّا؛ بما يدلُّ على ما كانَ، وما آلَ. لقد قلتُ -سابقًا- وأكرِّرُ، ونحنُ نعيش ذكرى «يومنا الوطني السعودي»: إنَّ وعيَ الجيل الحاضر من أبناء هذه الوطن العظيم بقصَّة توحيد المملكة، واجبٌ يمليه صحيحُ الولاءِ، كما يمليه حقُّ الانتماءِ؛ لما لهما من ارتباطٍ وثيقٍ بعظمة ما قام به الملكُ عبدالعزيز -رحمَهُ اللهُ- حينما أرسى دعائمَ هذا الكيان، ووحَّد أركانَه، فأصبح -في التَّأريخ الحديث- علامةً فارقةً تجمعُ ما بين الإرادة الحيَّة، والقوَّة الكامنة، والحكمة الواعية، والعبقريَّة المُنجزة.