كتاب

واشنطن والحوثيون.. وحدود التحالف

د. خالد محمد باطرفي 22 سبتمبر 2026 10:58 4 دقائق قراءة
تطرح التقارير المتداولة عن تواصل أميركي مع الحوثيين، والتوصل إلى تفاهم يجنّب المصالح والسفن الأميركية الاستهداف، أسئلة مهمة حول طبيعة السياسة الأميركية في المنطقة وحدود التزامات واشنطن تجاه حلفائها، ولا سيما السعودية التي تتعرض لهجمات حوثية بالصواريخ والمسيّرات.
لكن من الضروري، قبل بناء الاستنتاجات، التحفظ على صحة بعض المعلومات المتداولة؛ فتفاصيل التواصل الأميركي - الحوثي لم تؤكدها واشنطن رسميًا.
ومع ذلك، فإذا صحت بعض هذه المعلومات، فإنها تكشف عن توجه أميركي واضح يقوم على حماية القوات والسفن والمصالح الأميركية المباشرة، مع تجنب التورط في حرب جديدة داخل اليمن. ووفق هذا المنظور، تبدو واشنطن مستعدة لتبادل المعلومات الاستخباراتية، والمساعدة في تحديد الأهداف، وتعزيز القدرات الدفاعية السعودية، لكنها ترسم حدًا بين دعم حليفها والانخراط العسكري المباشر إلى جانبه.
ولا يعني ذلك انتهاء التحالف السعودي - الأميركي أو تخلي واشنطن عن شريكها، لكنه يؤكد أن مفهوم التحالف لدى إدارة ترامب أصبح أكثر انتقائية ومصلحية. فأميركا تحمي مصالحها أولًا، ثم تطلب من شركائها تحمّل العبء الأكبر في مواجهة التهديدات المحلية والإقليمية.
أما الجانب المقلق، فهو أن يؤدي أي تفاهم أميركي منفرد مع الحوثيين إلى منحهم فرصة لتحييد واشنطن والتفرغ لاستهداف السعودية. وإذا حصل الحوثيون على ضمان بعدم تعرضهم لضربات أميركية مقابل عدم مهاجمة السفن والمصالح الأميركية والاسرائيلية، فقد يفسرون ذلك باعتباره هامشًا متاحًا لمواصلة الاعتداءات على المملكة ومنشآتها الحيوية.
وهنا يبرز التساؤل عن صدقية الردع الأميركي؛ لأن الخطر الحوثي لا يقتصر على السعودية، بل يمتد إلى البحر الأحمر وباب المندب وإمدادات الطاقة والتجارة الدولية. ولا يمكن فصل أمن السفن الأميركية عن أمن الممرات البحرية أو الدول المطلة عليها؛ فالتهديد الذي يُسمح له باستهداف طرف اليوم قد يتوسع غدًا ليشمل أطرافًا ومصالح أخرى.
وستقرأ الرياض هذا الموقف بواقعية، فلا تعتبره تخليًا أميركيًا كاملًا، ولا تراه دعمًا كافيًا لمواجهة التهديد. فاستمرار تبادل المعلومات والتنسيق مع القيادة المركزية الأميركية يؤكد بقاء الشراكة الأمنية، فيما يكشف رفض التدخل العسكري المباشر حدود هذه الشراكة السياسية والعملياتية.
وعلى هذا الأساس، ستسمر السعودية في تبني خياراتها على أن المساندة الأميركية عامل مساعد ومكمّل، وليست بديلًا من القرار والقدرة السعودية. وقد يدفع ذلك إلى تطوير طريقة التعامل مع الحوثيين، عبر تعزيز الدفاع الجوي والصاروخي، وحماية منشآت الطاقة والمطارات والموانئ، ورفع كلفة الاعتداءات بردود عسكرية محسوبة، وإعادة تنظيم الجبهة اليمنية المؤيدة للحكومة الشرعية، مع إبقاء باب التسوية السياسية مفتوحًا من خلال الوساطة العُمانية وجهود الأمم المتحدة.
كما تستطيع الرياض توسيع تنسيقها الدفاعي مع شركائها الإقليميين، وتفعيل ما يتيحه "حلف مكة" من تعاون سياسي وعسكري وأمني. ولا يعني ذلك التوجه إلى حرب إقليمية مفتوحة، فالحلف دفاعي في أساسه، وهدفه تعزيز الردع وحماية الدول الأعضاء من الاعتداءات، وليس الدخول في مغامرات عسكرية أو تأسيس محاور هجومية.
وفي المقابل، لا يمكن فصل التصعيد الحوثي عن المواجهة الأوسع بين واشنطن وطهران، وإن كان من غير الدقيق افتراض أن كل عملية حوثية تصدر بتوجيه إيراني مباشر. فالحوثيون جزء من شبكة ضغط إقليمية تستفيد منها إيران، وقد تُستخدم الجبهة اليمنية لرفع كلفة الضغوط الأميركية عليها وإرباك حلفاء واشنطن.
أما عودة الرئيس ترامب المفاجئة من كامب ديفيد إلى واشنطن، وحديثه عن خيارات تتراوح بين مواصلة الضغط والتصعيد والتوصل إلى صفقة، فلا يكفيان وحدهما للقول إن قرار الحرب قد اتُّخذ. فقد يكون الأمر مرتبطًا بمراجعة الخيارات العسكرية، أو بمفاوضات غير معلنة، أو باستخدام التهديد لتحسين شروط اتفاق محتمل. وأسلوب ترامب معروف بإبقاء جميع الخيارات مفتوحة، بما فيها التفاوض والضغط الاقتصادي والضربة المحدودة.
كذلك، لا يمكن اعتبار إعلان إيران امتلاك معلومات عن التحضير لهجوم أميركي جديد دليلًا حاسمًا؛ فقد يكون جزءًا من الحرب النفسية ومحاولة ردع واشنطن. كما أن التحذيرات الأميركية لرعاياها من السفر إلى المنطقة تعكس ارتفاع مستوى المخاطر، لكنها لا تثبت وحدها أن هجومًا أصبح وشيكًا.
المؤشرات الأكثر دلالة ستكون في التحركات العسكرية الفعلية، مثل نقل القاذفات وطائرات التزود بالوقود، وتعزيز الدفاعات حول القواعد الأميركية، وإجلاء عائلات الدبلوماسيين والعسكريين، وإعادة تموضع القطع البحرية، وفرض قيود واسعة على المجال الجوي. وحتى ظهور مثل هذه المؤشرات، يبقى الاحتمال قائمًا بين الاستعداد الاحترازي والضغط التفاوضي والتمهيد لعمل عسكري.
والأدق أن واشنطن لم تغيّر بوصلتها بالكامل أو تقرر مغادرة المنطقة، وإنما أعادت ترتيب أولوياتها. فهي تركز على حماية قواتها ومصالحها، ومنع إغلاق الممرات البحرية، واحتواء إيران، مع نقل جانب أكبر من أعباء الدفاع إلى حلفائها.
أما الرد السعودي، فلا ينبغي أن يكون قائمًا على استبدال تحالف بآخر، بل على توسيع هامش الاستقلال الاستراتيجي، وتنويع الشراكات الدفاعية، وتفعيل "حلف مكة"، وتحصين المنشآت الحيوية، وتوحيد القوى اليمنية المناهضة للحوثيين، بالتوازي مع تحرك سياسي يوضح للعالم أن استهداف السعودية وباب المندب ليس شأنًا يمنيًا داخليًا، بل تهديد للأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي.
وستستمر السعودية في التعاون مع واشنطن، لكنها ستحتاج إلى حوار صريح معها حول معنى الشراكة وحدود الالتزامات المتبادلة. فمن غير المقبول، إذا صحت المعلومات المتداولة، أن تحصل الولايات المتحدة على ضمانات منفردة لحماية مصالحها، بينما يُترك حليف استراتيجي يواجه الصواريخ والمسيّرات.
والقاعدة التي ينبغي أن تحكم المرحلة المقبلة واضحة: السعودية لاعب مستقل، وأمنها الوطني لا يجوز أن يبقى مرهونًا بقرار خارجي أو بتغيّر أولويات أي إدارة أميركية.
@kbatarfi

أخبار ذات صلة