في قلب لندن مدينةٌ داخل المدينة.. فالـ«سيتي» City of London ليست مجرَّد الحيِّ الماليِّ الذي يعرفه العالم، بل منظومة قديمة من الحكم والتجارة والقانون، احتفظت بمؤسَّساتها عبر القرون. ومن أقدمها منصب الـSheriffs، شريفَي المدينة، اللَّذين يُنتخبَان كل عام، ويرتبطان بعمدة المدينة والقضاء في الـOld Bailey، وبصون حكم القانون. حضرتُ هذا الأسبوع حفلهمَا في «جيلدهول» Guildhall، المقر التاريخي للمدينة. كان في المشهد شيءٌ من إنجلترا القديمة: الأثواب، والمراسم، والألقاب، وقاعة شهدت قرونًا من القوَّة والتِّجارة والقانون. لكن أكثر ما شغلني لم يكن قِدَم المؤسَّسة، بل حداثة وظيفتها. وخطر لي أنَّ أعظم تكنولوجيا صدَّرتها بريطانيا إلى العالم، ربما لم تكن آلةً. ربَّما كان «الكومن لو»، Common Law وما رسَّخه من حكم القانون. أنْ يستطيع اثنان لا يجمعهُما وطنٌ، ولا لُغةٌ أنْ يكتبا عقدًا، ثمَّ يطمئنا إلى أنَّ وراء الورقة قاضيًا مستقلًّا، وقاعدة مستقرَّة، ومؤسَّسة لا تحتاج كل صباح إلى إعادة اختراع شرعيتها، فهذه ليست مسألة قانونيَّة فحسب. إنَّها تكنولوجيا للثقة. وفي عصر الذكاء الاصطناعيِّ، قد تصبح الثقة أندر من المعرفة نفسها. خرجتُ من «جيلدهول» وأنا أفكِّرُ في الصين، وفي «شيآن» تحديدًا. ولعلي أتأمَّلها اليوم لا بوصفها تشانغان القديمة، إحدى حواضر طريق الحرير، فحسب، بل مدينة صينيَّة ذات حضور إسلاميٍّ عريق، تبحث عن موقعها في طرق العالم الجديدة. وفي شيآن محكمة تجارية دولية تابعة للمحكمة الشعبيَّة العُليا، وحولها تتَّسع منظومة تربط التقاضي بالتحكيم والوساطة والخدمات القانونيَّة للتجارة العابرة للحدود. وقد شاركتُ فيها في مجالس تحكيميَّة تمتد أعمالها إلى آسيا الوسطى وإفريقيا والأقاليم الصينيَّة. ومن هذه الزاوية تبدُو شيآن سؤالًا معاصرًا: كيف تستقطب منظومة قانونيَّة قادرة على فض النزاع، وفتح أبواب الثقة، والتبادل مع الجزيرة العربيَّة؟ فالطريق الجديد لا يحمل حريرًا وتوابلَ. إنَّه يحمل الطاقة، والبيانات، ورأس المال، والمعرفة. هناك أدركتُ أنَّ الطريق لا يكفي أنْ يكون طريقًا. لا بُدَّ أنْ يصبح جادَّة. ومن هنا عدتُ بفكري إلى مكَّة. في السابع من أغسطس وقَّعت المملكة العربيَّة السعوديَّة، وتركيا، وباكستان «اتِّفاق مكَّة للدفاع المشترك»، على قاعدة أنَّ الهجوم المسلَّح على إحداها هجومٌ على الجميع. لكنَّ السؤال الأهم عندي ليس فقط: كيف يُحمى الإقليم؟ بل: ماذا نفعل بالعمق الإستراتيجيِّ الذي تصنعه الحماية؟ فهناك فرق بين تحالف يردع الخطر، وبين نظام يستطيع أنْ يعيش بعد الخطر. فالعمق الإستراتيجي لا يُقَاس فقط بمدى السلاح أو اتساع الجغرافيا. هناك عمق آخر تصنعه المؤسسات: قانون يمكن الوثوق به، وتجارة تستطيع عبور الأزمات، ووساطة وتحكيم يمنعان النزاع التجاري من أنْ يصبح خصومة سياسيَّة. هنا يلتقي «جيلدهول» بشيآن، وتلتقي شيآن بمكَّة. لندن تذكِّرنا بأنَّ التجارة تحتاج إلى حكم القانون. وشيآن تذكِّرنا بأنَّ القانون يحتاج إلى طريق. أمَّا مكَّة فتضع أمامنا السؤال الأصعب: هل يمكن للقوَّة التي تحمي الطريق أنْ تتحوَّل مع الزَّمن إلى نظامٍ يجعل الطريق جديرًا بأنْ يُسلك؟ الأمن يحمي الطريق، لكنَّه لا يصنع الجادَّة. فالجادَّة ليست أقصر مسافة بين دولتين، ولا اتفاقًا يُوقَّع عند اشتداد الخطر. إنَّها قدرة طويلة على الجمع بين القوَّة والقانون، وبين المصلحة والثقة، وبين الجغرافيا والمؤسَّسة. وفي زمن يبحث فيه الجميع عن أقصر طريق إلى المستقبل، ربما يكون السؤال الحضاري الأجدر بنا مختلفًا: أيُّ طريق يستطيع أنْ يبقى حين تتغير القوة؟ والجواب، على ما أحسب، هو الطريق الذي يحمل في داخله نظامًا، كما تحمل لندن في قلبها مدينة. فالجادَّة لا يعيبها أنْ تطول، إذا عرفنا إلى أين تقود. الضبط يبدأ في الطريف.. وفي العالم يُختَبَر. هامش تعليمي: أستخدمُ هنا مصطلح «الكومن لو» Common Law بدل ترجمته الشَّائعة «القانون العام»؛ لأنَّ الأخير يعني في الاصطلاح القانوني العربيِّ Public Law، وهو معنى مختلف. والكومن لو هو التقليد القانوني الذي تبلور في إنجلترا عبر القضاء والسوابق والممارسة، أمَّا Rule of Law، أو «حكم القانون»، فهو مبدأ أوسع يقوم على خضوع الحاكم والمحكوم للقانون. وما يهمنا هنا هو الصِّلة بينهما: كيف أسهم تقليد قانوني، عبر قرون من القضاء والممارسة، في تحويل حكم القانون من مبدأ إلى مؤسسة، ومن المؤسسة إلى ثقة يمكن أنْ تعبر الحدود.