كتاب

الوعي.. حصن الهوية

محمد علي الزهراني 28 سبتمبر 2026 23:35 دقيقتان قراءة
بِتنَا في زمنٍ تتسارعُ فيه التحوُّلاتُ الاجتماعيَّة، وتتداخلُ فيه الثقافاتُ بتسارعٍ يتَّخذنا بالأفكارِ والقِيمِ عبر شاشات لا تعرفُ حدودًا، ولا حواجزَ.. وأصبح الوعي ضرورةً لا خيارًا، وحصنًا يحمي المجتمعَ من الذوبان في الآخر، دون أنْ يعزله عن العالم.
فالانفتاحُ على الثقافات ليس خطرًا في ذاته، وإنَّما الخطرُ أنْ ننفتحَ بلا وعيٍ؛ فنستورد كلَّ ما يصلُ إلينا دون أنْ نزنََهُ بميزان قِيمنَا ودِيننَا وثقافتِنَا. فليس المطلوب أنْ نغلقَ النوافذ، بل أنْ نفتحها بعينٍ تميُّز ماذا يدخلُ منها.
الهُويَّة ليست ماضيًا نتحصَّن خلفه، بل هي جذورٌ تمنحنَا الثَّبات، ونحن نمضي نحو المستقبل. وحين يعرفُ الإنسانُ دِينَه، ويعتزُّ بلغتِهِ، ويدركُ قيمةَ موروثِهِ، ويحترمُ عاداتِهِ، وقيمَ مجتمعِهِ، يصبح أكثر قدرةً على التَّمييز بين ما يُثري حياته، وما يهدِّد ملامحها.
إنَّ معركة الهُويَّة اليوم ليست مع العالم، بل مع غياب الوعي.. فالمجتمعاتُ الواثقةُ لا تخشى التلاقح الثقافيَّ، وتأخذ بكلِّ معطيات العلم والتكنولوجيا، لكنَّها لا تسمح له بأنْ يمحو شخصيَّتها.
نحنُ لا نحتاجُ إلى جدران تعزلنا عن العالم، بل إلى وعيٍٍ يحرسُ أبوابنَا.. نحتاجُ جيلًا يعرفُ من أين جاء؟ وماذا يحمل؟ وإلى أين يريد أنْ يمضي؟ فالأُممُ لا تفقد هُويَّتها حين تتطوَّر، وإنَّما تفقدها حين تتغيَّر بلا وعيٍ، وحين يصبح تقليدُ الآخرِ بديلًا عن الاعتزازِ بالذَات.
فلنمنح أبناءنا مفاتيحَ الوعيِ أوَّلًا، ثمَّ نسلِّمهم مفاتيح العِلم والعَالم، فالمستقبل ملكٌ لمَن يعرفُ كيف يستفيد من الثَّورة العلميَّة والمعرفيَّة، دون أنْ يسمح لموجات التَّغيير بأنْ تنتزع منه ذاته.

أخبار ذات صلة