
في الأزمات، لا تُقَاس المواقفُ بما تقوله الألسنُ والبياناتُ، بل بما تكشفُه الأفعالُ، فالكلماتُ المنمَّقةُ لا تصنعُ حليفًا، وبياناتُ الشَّجبِ والإدانةِ لا تسترُ عورةَ التناقضِ.. حين تتحدَّث العواصم بلغةِ التَّضامن، بينما تمارسُ على الأرض سياسةَ النَّقيض. لقد سئمَ الشارعُ العربيُّ من ازدواجيَّةِ الخطاب السياسيِّ، وملَّ بياناتِ القلقِ والاستنكارِ التي تتكرَّرُ كلَّما سالتِ الدِّماءُ، فيما تواصلُ المليشياتُ والجماعاتُ المتطرِّفةُ عبثَها بالأوطانِ، مستندةً إلى دعمٍ خفيٍّ، أو احتضانٍ معلنٍ، أو
في الأزمات، لا تُختبر قوَّة الأوطان بما تواجهه من تحدِّياتٍ فحسب، بل بصلابة جبهتها الداخليَّة، ووعي شعبها، وثقته بقيادتِهِ ومؤسساتِهِ. وحين تتكالبُ التحدِّياتُ، وتتعَالَى أصواتُ التَّشكيكِ، يصبح الوعي الوطنيُّ خطَّ الدِّفاع الأوَّل، وتغدُو وحدةُ الصفِّ سلاحًا لا يقلُّ أهميَّة عن أيِّ سلاح حربيٍّ. وفي خضمِّ ما تتعرَّض له المملكة العربيَّة السعوديَّة من حملاتٍ إعلاميَّةٍ تستهدفُ إثارة الشُّكوك، وزعزعة الثِّقة، تطلُّ أبواقٌ مأجورةٌ تتَّخذ من الأزمات مواسمَ للمتاجرة بالمواقف، ومن مخاوف النَّاس
ما جدوى أنْ يحملَ الموظَّفُ -مواطنًا أو مقيمًا- وثيقةَ تأمينٍ صحيٍّ. بينما لا يجدُ عند مرضهِ مستشفًى مناسبًا يستقبله؟ هذه ليست مبالغةً، بل صورةٌ تتكرَّر لدى بعض العاملِين في أغلبِ المنشآت الصَّغيرة والمتوسِّطة، حيث تتحوَّل وثيقةُ التَّأمين من وسيلةٍ لحماية الإنسان، إلى ورقةٍ لاستكمال الإجراءات. وثيقةٌ رخيصةٌ، وشبكةٌ محدودةٌ، ومستوصفٌ قد يبعدُ عشرات الكيلومترات، وطبيبٌ عامٌّ، ثمَّ تبدأ قائمةٌ لا تشملها التَّغطية، عندما يحتاجُ العاملُ إلى تحليلٍ، أو أشعَّةٍ، أو طبيبٍ متخصِّصٍ. وهنا يصبحُ السؤالُ
في الماضي، كان التسوُّلُ حرفةً شاقَّةً، تتطلَّب مهاراتٍ دراميَّةً عاليةً، وثوبًا مقطَّعًا بعنايةٍ، ووجهًا شاحبًا يقطرُ حزنًا، يستدرُّ دموعَ المارَّة عند إشارات المُرور. كان متسوِّلُ الأمس، يكدحُ في الشارع؛ ليحصل على بضعة ريالات، ثمَّ يختفي عن الأنظار حياءً أو خجلًا. أمَّا اليوم -وفي عصر الأليافِ البصريَّة- فقد شهدنَا عمليَّةَ تحديثٍ وتطويرٍ لمهنة الشحَّاذِين، حيث انتقل القومُ من الأرصفة إلى الشَّاشات، ومن الثِّياب الرَّثة إلى صالوناتِ التجميلِ. يطلُّ علينا شحَّاذو اليوم بكامل أناقتهم.. بفيلر
بِتنَا في زمنٍ تتسارعُ فيه التحوُّلاتُ الاجتماعيَّة، وتتداخلُ فيه الثقافاتُ بتسارعٍ يتَّخذنا بالأفكارِ والقِيمِ عبر شاشات لا تعرفُ حدودًا، ولا حواجزَ.. وأصبح الوعي ضرورةً لا خيارًا، وحصنًا يحمي المجتمعَ من الذوبان في الآخر، دون أنْ يعزله عن العالم. فالانفتاحُ على الثقافات ليس خطرًا في ذاته، وإنَّما الخطرُ أنْ ننفتحَ بلا وعيٍ؛ فنستورد كلَّ ما يصلُ إلينا دون أنْ نزنََهُ بميزان قِيمنَا ودِيننَا وثقافتِنَا. فليس المطلوب أنْ نغلقَ النوافذ، بل أنْ نفتحها بعينٍ تميُّز ماذا يدخلُ منها. الهُويَّة ليست
تستمرُّ بعضُ الحساباتِ والأبواقِ المأجورةِ على منصَّات التَّواصل الاجتماعيِّ في ممارسةِ هرائِها المعتاد، وحقدها الدَّفين؛ محاولةً بكلِّ فجورٍ وتزييفٍ تحميل المملكة العربيَّة السعوديَّة مسؤوليَّة أيِّ تطوُّر، أو توتُّر يشهده مضيقُ باب المندب.. هذا السُّعار الفضائيُّ الموجَّهُ والمموَّلُ من أطرافٍ تدفعها أحقادُها لا يستهدفُ تقديمَ تحليلٍ واقعيٍّ، ولا يستندُ على حقائقَ، بل يسعَى لتصفيةِ حساباتٍ سياسيَّةٍ ضيَّقةٍ عبر الشَّيطنة واختلاقِ الاتِّهامات، من خلال أبواقٍ باتت تنبحُ عندَ كلِّ حدثٍ بنفس
يمرُّ اليمنُ بمرحلةٍ مفصليَّةٍ تتطلَّب قراءة واقعيَّة للتحدِّيات السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة التي تحيط بالبلاد. فعلى مدى السنوات الماضية، أدَّت النِّزاعات المسلَّحة، والانقسامات الداخليَّة إلى مضاعفة الأزمات الاقتصاديَّة والإنسانيَّة التي يواجهها المواطنُ اليمنيُّ في حياته اليوميَّة. وفي ظلِّ هذه المعاناة المركَّبة، والمستجدَّات الميدانيَّة تبرز الحاجة المُلحَّة لإعادة التفكير في منطق إدارة الصِّراع، وتحديد الأولويات الوطنيَّة؛ لأنَّ امتداد تأثير النفوذ والإيديولوجيَّات الخارجيَّة
لكلِّ إنسانٍ طريقه الذي لا يشبه سواه، ولذلك فإنَّ أكبر خطأ قد يرتكبه المرءُ، هو أنْ يبحث عن مستقبله في خرائط الآخرِين. فما نجح مع غيرِك، قد لا ينجح معك؛ لأنَّ الطرق تُرسم بالظُّروف، والقُدرَات، والفُرص، والإرادة، لا بالتَّقليد. الاستفادة من تجارب الآخرِين حكمة، أمَّا الارتهان لها، فاستسلام يُفقِد الإنسان شخصيَّته، ويُؤجِّل اكتشاف إمكاناته. فالحياة لا تكافئ أفضل المقلِّدِين، بل تمنح فرصها لمن امتلك الشَّجاعة؛ ليصنع طريقه بنفسه. إنَّ العناية بالذَّات هي الخريطة الوحيدة التي تستحقُّ أنْ تُقرَأ
مَن يعلِّقْ عينيه بأقدامِ الآخرين، يعشْ سجينَ العثرة، أسيرَ اللَّحظة التي يسقط فيها غيرُه، كأنَّ الكونَ كلَّه لا يتَّسعُ إلَّا لزلَّةٍ عابرةٍ. إنَّها رُؤيةٌ قاصرةٌ، تفتِّش في الغبار، بينما فوق الرَّأس سماءٌ متراميةٌ تُغرِي بالطَّيران. الحياةُ لا تُختصر في عثرات الخُطُى، بل في نهوض الأرواح، في القلوب التي تتعلَّم من السقوط كيف تصعد من جديد. أمَّا الذي لا يرى سوى ما تحت الأقدام، فإنَّه يضيِّع بهاء المشهد الأعظم: أنَّ كل إنسان يحمل داخله بذرةَ نورٍ، حتَّى وإنْ تعثَّرت قدمَاه في عتمةِ الطَّريق.
نُهنئكُم بالثِّقة الغالية مع تقلُّدكُم لزمام الأمانة في مدينةٍ ليست ككل المدن، فالطموح هنا لا يقفُ عند حدود الإدارة التقليديَّة، بل يمتد ليكون استعادةً لرُوح «جدَّة» التي ضاعت بين صخب الإسمنت، وغبار التوسُّع العشوائيِّ. إنَّنا اليوم لا نتحدَّث عن صيانة شوارع أو رصف طرق، بل نتحدَّث عن «هوية» مدينة تُصارع لتتنفس من تحت ركام الغابة الإسمنتيَّة الجامدة. لقد انحبست عناية الأمانة لسنوات طويلة في «الشريط الساحلي» الغربي، وكأنَّ جدَّة لا تمتدُّ إلَّا حيث يمتد البحر. وبينما تزهو الواجهات البحريَّة
في الوقت الذي تُشرَعُ فيه النوافذُ المعرفيَّة على مصاريعها بفعل الثَّورة الرقميَّة، وتتحوَّل فيه المعلومةُ من صيدٍٍ عزيزٍ إلى فيضٍ مُتاحٍ، نجد أنفسنا أمام مفارقة مُقلقة تسكن بيوتنا ومؤسَّساتنا التعليميَّة، ظاهرة «انخفاض الدافعيَّة» لدى جيل اليوم. لم يعد العزوفُ عن شغف التعلُّم حكرًا على طفلٍ يجرُّ خُطَاه متثاقلًا نحو مدرسته الابتدائيَّة، بل امتدَّت هذه العَدوَى الباردة، وبشكل أكثر سوداويَّة، إلى أروقة الجامعات، حيث يُفترَض أنْ ينضجََ الحلمُ ويشتعلَ الطموحُ. إنَّنا أمام «خريف مبكر للشَّغف»، تذبل
باتت الشاشاتُ هي النَّافذة الأساسيَّة التي نطلُّ منها على العالم، تحوَّلت تفاصيل حياتنا اليوميَّة البسيطة من "تجارب نعيشها"، إلى "مواد ننتجها". لم يعد الإنسان المعاصر يكتفي بطلب كوبٍ من القهوة؛ ليستمتع بدفئه، أو بزيارة مَعْلَم أثريٍّ ليستحضر تاريخه، بل أصبح الهاجس الأوَّلُ والمُلحُّ هو: كيف سيظهر هذا كله في "كادر" التصوير؟ إن ظاهرة التوثيق المفرط للحياة اليوميَّة، ليست مجرَّد سلوك تكنولوجيٍّ عابر، بل هي تحوُّلٌ بنيويٌّ عميق في السلوك الاجتماعيِّ، واغتراب نفسي يستحقُّ التأمُّل والنَّقد. لقد
في رحلة البحث عن التميُّز الإنسانيّ، وتقييم العقول البشريَّة، تقف المؤسَّسات التعليميَّة والتربويَّة اليوم، عند مفترق طرقٍ حاسمٍ؛ فبين يديك جيلٌ يتدفَّق حيويَّةً وشغفًا، وأمامك موازين شتَّى تحاول رصد هذا التدفُّق وضبط مساراته. ومن هنا ينبثق السؤالُ الجوهريُّ الذي يفرض نفسه على واقعنا المعاصر: هل نجحنَا في تحويل التَّقييم إلى جسرٍ يعبرُ به الطالبُ نحو آفاق الإبداع، أم أنَّنا كبَّلنا طموحَه داخل «فخِّ الأرقامِ»، وحسابات المنحنيات البيانيَّة؟ إنَّ الإشكاليَّة لا تكمنُ في مبدأ التَّقييم بحدِّ
تمرُّ المجتمعاتُ الحديثةُ بمنعطفٍ تنمويٍّ حاسمٍ، يفرض عليها إعادة النَّظر في المرتكزات الفلسفيَّة التي يقوم عليها تعليمها العالي. ولعلَّ المعضلة الأبرز التي تواجه جامعاتنا اليوم، هي استمرار ارتهانها للغايات التقليديَّة، والمتمثِّلة في تحويل قاعات المحاضرات، إلى خطوط إنتاج لتخريج «باحثين عن العمل»، متسلِّحين بحدٍّ أدنَى من المهارات التقليديَّة التي -بالكاد- تواكب متطلَّبات اللَّحظة الرَّاهنة، فضلًا عن أنْ تستشرفَ آفاق المستقبل. إنّ حصر وظيفة الجامعة في حدود «منح الشهادة للتوظيف»، هو اختزالٌ
في الماضي، كان «الادِّخارُ» ثقافةً أصيلةً تُبنَى عليها البيوت، وكان «القرشُ الأبيضُ ينفعُ في اليومِ الأسودِ» دستورًا للأمان الماليِّ والاجتماعيِّ. أمَّا اليوم، فقد اجتاحت مجتمعاتنا حُمَّى استهلاكيَّة شرسة، ترفعُ شعار «عيش اللَّحظة»، وتتستَّر خلف مثل جرى تحريفه من سياق التوكُّل إلى التَّبذير: «أنفق ما في الجيب، يأتيك ما في الغيب». وبهذا، تحوَّل الاستهلاكُ من وسيلةٍ لتلبية الحاجة، إلى غايةٍ تلتهمُ الحاضرَ والمستقبلَ. لقد تسلَّلت منصَّات التقسيط والتمويل السريع بنعومة مفرطة إلى تفاصيل حياتنا
كانت الأمثال الشعبيَّة قديمًا أشبه بدساتير شفويَّة تُدار بها الحياة. عبارات قصيرة، حادَّة، وسهلة الحفظ، استطاعت عبر القرون أنْ تتسلَّل إلى العقول بهدوءٍ مُدهش، حتى أصبحت لدى كثيرٍ من المجتمعات أعلى سلطة من المنطق نفسه. فالمثلُ الشعبيُّ لم يكن مجرَّد حكمةٍ عابرةٍ، بل خلاصة حِراك جماعيٍّ، وتجربة مجتمع، وصوت زمنٍ كاملٍ يتحدَّث من فم شخص مجهول، رحل منذ مئات السنين. وهي موروث يجب احترامه وتقديره. غير أنَّ المفارقة ليست في الأمثال ذاتها، بل في إصرارها على البقاء صالحةً لكل العصور، وكأنَّ الإنسان لم
للمجالس حرمةٌ، وللأحزان جلالٌ، وللشيخوخة مهابةٌ. يلوذُ الإنسانُ ببيته، ومحافل مجتمعه؛ ليجد الطمأنينة والأمان، حاميًا عفويَّة قوله وتصرُّفاته، ومستورًا في لحظاتِ ضعفه وانكسارهِ.. ولكنَّنا اليوم، ابتُلينَا بنوازلَ رقميَّةٍ قوامها شاشات زجاجيَّة باردة، تتربَّص بالبشر في حِلِّهم وترحالِهم، يقودُها لصوصٌ استبدَّ بهم هوسُ الشُّهرة والترند، فلم يعد بعضُهم يدخلُون المجالسَ بوجوهِهِم، بل بعدساتِ هواتفِهم. وكأنَّه لم يأتِ ليعيشَ اللَّحظة لذاتها، بل ليقتنصها في إطارٍ عابرٍ، ثمَّ يدفع بها إلى أسواق
كانت «الصحافة المتلوِّنة» فيما مضى تقتاتُ على مدادِ الحقد، وتبيعُ ورقها في أسواقِ الأيديولوجيَّاتِ المستأجرة، وتمارسُ طقوسَ التَّغييبِ والإنكارِ لكلِّ منجزٍ وطنيٍّ شامخ للمملكة. واليوم، ونحنُ نعيشُ حقبةَ الفضاءاتِ المفتوحة، توهمنا بأنَّ «الديمقراطيَّة الرقميَّة» ستحرِّرُ الحقيقةَ من أغلالِ ملَّاكِ ومسؤولي بعض المنصَّات الرقميَّة العالميَّة المأجورين. غيرَ أنَّ الواقعَ كشفَ عن وجهٍ أكثرَ بشاعة، فقد استُبدل بـ»قلمُ الرقيب»، «خوارزميَّة الإقصاء»، وتحوَّل الفضاءُ السبرانيُّ من ساحةٍ حرَّة إلى
في قلب الخارطة، حيث يلتقي التاريخُ بالجغرافيا في عناقٍ أبديٍّ، لم تعد المملكة العربيَّة السعوديَّة مجرَّد نقطة عبور، بل أضحت «نبض الممرَّات»، وعصب الاقتصاد العالميِّ الجديد. إنَّ المتأمِّل في التحوُّلات الكُبرى التي تشهدها المنطقة، يدركُ أنَّنا أمام استشرافٍ سياديٍّ سعوديٍّ فذٍّ، لم يكتفِ بقراءة المستقبل، بل قام بصناعتهِ وتطويعهِ؛ ليكون جسرًا يربط قارَّات العالم الثلاث (آسيا، إفريقيا، وأوروبا) في وحدةٍ عضويَّةٍ قلَّ نظيرُها. لقد آمنت القيادةُ السعوديَّةُ أنَّ «اللوجستيَّة» ليست مجرَّد موانئ،
على مدى ربع قرن، استوطن قلقُ «اختبار القدرات» الوجدان الجمعي للأُسر السعوديَّة؛ ليتحوََّل من مجرَّد أداة قياس، إلى «بُعبعٍ» سنويٍّ يحدِّد مصائر الأجيال. واليوم، ونحنُ على أعتاب مرحلة تعليميَّة تتَّسم بالمرونة والتنافسيَّة العالميَّة، من الواجب الأخلاقيِّ والعلميِّ أنْ نُخضع هذه التجربة لمبضع النَّقد الأكاديميِّ، متسائلِينَ: هل حقَّق الاختبارُ غايته التنبؤيَّة؟ أم أصبح قيدًا بيروقراطيًّا يستهلكُ الطَّاقات والميزانيَّات؟ من الممكن أنْ ينجحَ الاختبارُ في تصفية الأعداد الهائلة للمتقدِّمين، لكنَّه