Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد علي الزهراني

القدرات بين فخ الأرقام وأفق الإبداع

A A
في رحلة البحث عن التميُّز الإنسانيّ، وتقييم العقول البشريَّة، تقف المؤسَّسات التعليميَّة والتربويَّة اليوم، عند مفترق طرقٍ حاسمٍ؛ فبين يديك جيلٌ يتدفَّق حيويَّةً وشغفًا، وأمامك موازين شتَّى تحاول رصد هذا التدفُّق وضبط مساراته. ومن هنا ينبثق السؤالُ الجوهريُّ الذي يفرض نفسه على واقعنا المعاصر: هل نجحنَا في تحويل التَّقييم إلى جسرٍ يعبرُ به الطالبُ نحو آفاق الإبداع، أم أنَّنا كبَّلنا طموحَه داخل «فخِّ الأرقامِ»، وحسابات المنحنيات البيانيَّة؟
إنَّ الإشكاليَّة لا تكمنُ في مبدأ التَّقييم بحدِّ ذاتهِ؛ فالقياسُ أداةٌ معرفيَّةٌ غايتها الكشف عن مَوَاطن القوَّة، وتقويم الانحراف. لكنَّ الخللَ يبدأ حين تتحوَّل هذه الاختبارات من «وسيلة للاستكشاف»، إلى «غاية في حدِّ ذاتِها»، وحين يصبح الرقمُ (الدَّرجة) هو الصَّنم الذي تُقرَّب له القَرَابين، والمحدد الوحيد لمستقبل شابٍ أو فتاة. هذا الاختزالُ الرقميُّ يقعُ في فخ «تنميط العقول»، حيث يُطالب الجميع بأنْ يمرُّوا من الثقب ذاته، متناسِينَ أنَّ الذكاء البشريَّ متنوِّعٌ بتنوُّعِ ألوان الطَّيف، وأنَّ العبقريَّة لا تُلخَّص في خياراتٍ متعدِّدة تُظلَّل بقلم الرِّصاص.
حين يسقطُ التعليم في «فخِّ الأرقام»، فإنَّنا نُخاطرُ بتحويل عقول ناشئتنا إلى مستودعاتٍ لحفظِ الإستراتيجيَّات السَّريعة، وتوقُّع الأنماط المتكرِّرة، بدلًا من أنْ تكون شُعلًا متَّقدة بالتَّفكير النقديِّ والابتكار. إنَّ الشَّاب الذي يرى مستقبله الأكاديمي والمهني رهنًا بنقطة، أو نقطتين في اختبارٍ معياريٍّ، قد ينساقُ مدفوعًا بالقلق نحو ثقافة «الامتثال والتَّحصيل المؤقَّت»، متخلِّيًا -دون وعيٍ منه- عن فضيلة التَّساؤل، والمغامرة الفكريَّة، والبحث عن إجاباتٍ خارج الصندوق، وتلك هي النُّواة الأُولَى للاغتراب الإبداعيِّ.
وعلى الضفَّة الأُخْرى، يتجلَّى «أُفق الإبداع» بوصفه الفضاء الرَّحب الذي يتَّسع لكلِّ ميزانٍ ذكيٍّ يرى الإنسان كـ»مشروعٍ حضاريٍّ» متكاملٍ. إنَّ قياس القدرات الحقيقي، هو ذاك الذي يتجاوز رصد المهارات الرياضيَّة واللُّغويَّة المجرَّدة؛ ليتسلَّل إلى قياس مرونة الفكر، والقدرة على حلِّ المشكلات المعقَّدة، والذكاء العاطفيِّ والاجتماعيِّ، والمهارات القياديَّة. الأفق الإبداعي يقتضي منَّا ألَّا نكتفي بـ»كم يعلم الطالب؟»، بل أنْ نسأل بكلِّ عمقٍ: «كيف يفكِّر؟ وكيف يصنع من علمهِ أثرًا؟».
إنَّ النظرة الحديثة والمتطوِّرة لنظم القياس والتقويم، تُلهمنا بضرورة الانعتاق من أسر الرَّقم الأوحد، والتحوُّل نحو «التَّقييم الشموليِّ» الذي يعتمدُ على ملفَّات الإنجاز، والمشروعات الابتكاريَّة، والقدرات التحليليَّة التي تُظهر معدن الطَّالب الحقيقي. نريد اختباراتٍ تفتح الأبواب مغريةً العقول بالتَّحليق، لا بواباتٍ حديديَّة تصدُّ الموهوبين لمجرَّد عثرةٍ رقميَّة في يومٍ عابر.
ختامًا، إنَّ صناعة المستقبل لا تقومُ على صياغة نسخٍ مكرَّرة تدور في فلك أرقامٍ جامدةٍ، بل تقوم على إطلاق طاقاتٍ بشريَّةٍ تؤمن بأنَّ حدودها السَّماء. لنخرج بالقياس من فخِّ الأرقام الضيِّق، ولنحلِّق به في أفق الإبداع الرَّحب، فالعقولُ حرَّة، والابتكار لا يحدُّه سياجٌ، والوطن ينتظر منَّا جيلًا يبني بروح المبادرة، لا برهبة المجموع والقياس.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store