في الماضي، كان «الادِّخارُ» ثقافةً أصيلةً تُبنَى عليها البيوت، وكان «القرشُ الأبيضُ ينفعُ في اليومِ الأسودِ» دستورًا للأمان الماليِّ والاجتماعيِّ. أمَّا اليوم، فقد اجتاحت مجتمعاتنا حُمَّى استهلاكيَّة شرسة، ترفعُ شعار «عيش اللَّحظة»، وتتستَّر خلف مثل جرى تحريفه من سياق التوكُّل إلى التَّبذير: «أنفق ما في الجيب، يأتيك ما في الغيب». وبهذا، تحوَّل الاستهلاكُ من وسيلةٍ لتلبية الحاجة، إلى غايةٍ تلتهمُ الحاضرَ والمستقبلَ.
لقد تسلَّلت منصَّات التقسيط والتمويل السريع بنعومة مفرطة إلى تفاصيل حياتنا اليوميَّة، فلم تعد الديون حكرًا على الأصول الكبيرة كالمنازل والسيَّارات، بل تمدَّدت لتشمل صغائر الأمور، حتى بات الفرد يقسِّط وجبة عشاء، أو كوب قهوة، أو صحن فول! هذه «الديون المجهريَّة» تصنع وهمًا خطيرًا بالقدرة الشرائيَّة، إذ تُغري المستهلك بدفع مبالغَ زهيدةٍ مجزَّأة، لكنَّها في المحصلة تراكم جبالًا من الالتزامات الشاقَّة. والنتيجة؟ تحوَّل أفرادُ المجتمع، حتَّى الصغار منهم، إلى أسرى لشركات التَّمويل، يدفعُون اليوم ثمن متعة بادت وانتهت بالأمس.
إنَّ الخطر الأكبر لهذه الظاهرة، لا يقفُ عند حدود الأرقام، بل يتجاوزه إلى تفخيخ البنية النفسيَّة والاجتماعيَّة. فعندما يحصل الجيلُ الناشئُ على كل ما يشتهيه بـ»ضغطة زر» وعبر أقساط مؤجَّلة، ينشأ على مفهوم «الاستحقاق المزيَّف»، ويفقد قيمة الصَّبر، وتحمُّل المسؤولية. علاوة على ذلك، فإنَّ العيش تحت رحمة تنبيهات السَّداد الهاتفيَّة يرفع مستويات القلق والتوتر الأسري، ويحوِّل البيوت من واحات للاستقرار، إلى ساحات للمطالبات الماليَّة.
من منظور الاقتصاد الاستهلاكيِّ، فإنَّ تآكل المدَّخرات لصالح الاستهلاك الجائر يُعدُّ انتحارًا ماليًّا. فالادِّخار هو خطُّ الدِّفاع الأوَّل ضد طوارئ الحياة، وتحويله إلى قنوات التَّرفيه، والوجبات السَّريعة يعني أنَّ المجتمع يسير بلا شبكة أمان. إنَّنا ببساطة نقترض من جيوب مستقبلنا؛ لنعيش رفاهيةً مستعارةً في حاضرنا.
إنَّ «عيش اللَّحظة» بمفهومه الحقيقيِّ يعني السَّلام الداخلي والامتنان، وليس رهن الإرادة لمنصَّات التمويل. لقد حان الوقت لنشر ثورة وعي مضادة، تُعيد الاعتبار لثقافة الادِّخار والتَّدبير، ولندرك جميعًا أنَّ الحريَّة الماليَّة لا تكمنُ في القدرة على الشِّراء بالتقسيط، بل في القدرة على الاستغناء، وأنَّ حماية الغد، تبدأ بضبط شهوات اليوم.
[email protected]


