Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد علي الزهراني

لصوص لا يكسرون الأبواب!

A A
للمجالس حرمةٌ، وللأحزان جلالٌ، وللشيخوخة مهابةٌ. يلوذُ الإنسانُ ببيته، ومحافل مجتمعه؛ ليجد الطمأنينة والأمان، حاميًا عفويَّة قوله وتصرُّفاته، ومستورًا في لحظاتِ ضعفه وانكسارهِ.. ولكنَّنا اليوم، ابتُلينَا بنوازلَ رقميَّةٍ قوامها شاشات زجاجيَّة باردة، تتربَّص بالبشر في حِلِّهم وترحالِهم، يقودُها لصوصٌ استبدَّ بهم هوسُ الشُّهرة والترند، فلم يعد بعضُهم يدخلُون المجالسَ بوجوهِهِم، بل بعدساتِ هواتفِهم. وكأنَّه لم يأتِ ليعيشَ اللَّحظة لذاتها، بل ليقتنصها في إطارٍ عابرٍ، ثمَّ يدفع بها إلى أسواق المشاهداتِ، حيث تُبَاع الخصوصيَّات بأبخس الأثمان، وتُستهلك المواقفُ الإنسانيَّة بابتذالٍ.
لقد نشأت في ظلِّ هذا الفضاء الرقميِّ سلالةٌ جديدةٌ من البشر، لا ترَى في المجالس دفئًا اجتماعيًّا، ولا في اللقاءات الإنسانيَّة معنَى وجدانيًّا، بل ترَى في كلِّ تجمُّعٍ.. مشروعَ «محتوى»، وفي كلِّ وجهٍ مادةً قابلةً للنَّشر، وفي كلِّ موقفٍ فرصةً للصعود فوق مشاعر الآخرين نحو ترندٍ زائفٍ سريعِ الاشتعالِ، سريعِ الانطفاءِ.
تحوَّل الهاتفُ المحمولُ في أيدي هؤلاء، من وسيلة اتِّصال، إلى أداة لانتهاك الحُرمات. تراهُ شاخصًا ببصرِهِ، لا تنقطعُ علاقته بـ»الفلاش» على مدار السَّاعة. دون استئذانٍ. لا يفرِّقُ بين بهجةِ عُرسٍ، وجلالِ مقبرةٍ، ولا بينَ سكينةِ مسجدٍ، وعفويَّةِ مجلسٍ. حتى سرادقات العزاء، التي تخشعُ فيها النفوسُ وتتوارَى خلفَها الدموعُ كمدًا وألمًا، لم تسلمْ من غزو هذه الكاميرات الوقحة؛ حيث تُنتهك مآسي الإنسانيَّة، وتُعرض أوجاع الثَّكالى واليتامى كوجبةٍ دسمةٍ يختطفُها اختطافًا، ويلقي بها إلى فضاءٍ إلكترونيٍٍّ لا قلبَ له، ولا مروءة، ولا رَحمة.
وأشدُّ ما في المشهدِ قسوةً، ذلك العبثُ الذي يُمَارس على كبار السِّن. أولئك الوقورُونَ الذين أنهكتهُم الأعمارُ، وأوهنتهُم الأمراضُ، وأصبحُوا يتحدَّثُونَ بعفويَّةِ البسطاءِ، ونقاءِ القلوبِ، ثمَّ يجدُونَ أنفسهم فجأةً مادةً للفرجةِ الرقميَّة، تُقتطَعُ كلماتُهم المرتبكة، أو تصرُّفاتُهم التلقائيَّة، وتُنشَر على الملأ، تحت عناوين ساخرةٍ، دون أدنى اكتراثٍ بما في ذلك من امتهانٍ للوقارِ الإنسانيِّ، وتجريدٍ للشيبةِ من جلالهَا. وكأنَّ البعضَ لم يعدْ يرَى في الكِبَرِ مقامًا يُوقَّر، بل فرصةً مجانيَّة لصناعة الضَّحك الرَّخيص.
إنها ليست أزمةَ تصويرٍ، بل أزمة ضميرٍ. فالكاميرا في حقيقتها أداةٌ محايدةٌ، لكنَّ الكارثة تبدأ حين تتحوَّل العدسةُ إلى عينٍ بلا أخلاقٍ، وحين يصبحُ الإنسانُ مستعدًّا لأنْ يتاجر بأيِّ شيءٍ حتَّى بالحزنِ، وبالعفويَّةِ، وبالخصوصيَّةِ، وبهيبةِ المجالسِ، في سبيل حفنةٍ من الإعجاباتِ والمتابعِينَ.
وما أحوجنا اليوم، إلى استرداد شيءٍ من فقهِ الذَّوق، وإلى إعادة الاعتبارِ لخصوصيَّات النَّاسِ، ولحُرمةِ المجالسِ، ولحقِّ الإنسانِ في أنْ يعيشَ لحظاتهِ بعيدًا عن سطوةِ العدساتِ المتربِّصة. فليس كلُّ ما تراه العينُ يُبَاح نشرُه، وليس كلُّ ما يثيرُ التفاعل يستحقُّ أنْ يُقَال أو يُصوَّر.
إننا بحاجة ماسَّة، إلى وقفةٍ تُعيد للوعيِ المجتمعيِّ توازنه، وللقانونِ صرامتَه، وللبيوتِ والمجالسِ حرمتَها المسلوبة.
فالمجتمعاتُ لا تُقَاس فقط بمَا تملكُه من تقنياتٍ، بل بما تبقيه من أخلاقٍ في مواجهةِ تلك التقنياتِ.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store